توقيت القاهرة المحلي 04:48:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سيرة ذاتية لجمل (1)

  مصر اليوم -

سيرة ذاتية لجمل 1

عمار علي حسن

ظل يسير دون أن يعرف أنه سيصل إلى دائرة الدم والنار والحماسة المتناهية فى ميدان التحرير. دخل بأقدامه العالية باب التاريخ وأوصد خلفه وترك الطغاة يتخبطون فى المساحة الهائلة للظلمة والكآبة. ما خُلق لهذا أبدا، لكنها الأقدار، أو هى إرادة صاحبه الجهول الذى لم يكن يحسب أنه يسجل خطواته فى الاتجاه الخاطئ، وأن الأقدام ستدوسه فى «ميدان التحرير». كثيرون يبذلون جهدا خارقا كى يسمى الناس أشياء بأسمائهم: بنايات، حارات، شوارع، ميادين، أحداث مشهودة. أما هو فقد رآه العالم كله فى لحظة خاطفة ثم استقر اسمه عنوانا للحظة فارقة بين الصواب والخطأ، بين الحق والباطل، وبه حسم كل المترددين والحائرين مواقفهم. خرجوا ليدقوا الهواء بأيديهم فيسوقون الريح إلى حيث يجلس الطاغية العجوز ليهتز عرشه ويترنح ثم يسقط إلى الفراغ، ومنه إلى عتمة التاريخ. ظل سنين فى ذهاب وجيئة عبر الرمل الممتد إلى آلاف الأميال، يحمل صناديق السلاح، ويمشى بطيئا فوق «درب الأربعين» وسط العشرات من بنى جنسه، وأمامها صاحبه على ناقة بيضاء ذات أذنين مقطوشتين، يغنى مواويله التى لا تنتهى، ليسلى نفسه وإبله الطيبة المطيعة: «يا ريس البحر خدنى معاك من البر أحسن لى أتعلم الكار بوسع البال أحسن لى أزود بمدرة، أجر لبان أحسن لى طلعت ألم القلوع لقيت العويل أطول من الصارى رميت المدارى وقلت البر أحسن لى».. كان الرجل يحب هذا الجمل، الذى تحبه ناقته، وتأثر جدا إلى درجة البكاء يوم بيعهما معا بعد أن تقدم بهما العمر وصعبت عليهما رحلات الصحراء الوسيعة، لكنه اشترط على من اشتراهما ألا يذبحهما، فأطرق الرجل صامتا لبرهة ثم قال: ــ حاضر. ـ وعد. ـ وعد. ـ نقرأ الفاتحة. ـ نقرأها. ومد يده وعاهده. وفى اليوم التالى حملهما من السمطا فى قنا إلى نزلة السمان وباعهما دون عناء، فصارا قاربين للزينة، بعد أن كانا سفينتين طالما مخرتا فى عجيج الرمل السفساف، وداست خفافهما الحصى والصخور. فى النزلة كل العائلات تعمل بالسياحة، والجمل وناقته يعملان بها. لكنهما لا يعرفان عند أى عائلة استقر لهما المقام، ولا يسمعان عن عائلات الجابرى وخطاب وفايد والشاعر والحلو والقماطى والوليلى وأبوباشا وأبوزيد وأبوبريش وأبوعزيزة وغنيم وتركى. وعلى بعد مسافة قليلة من المكان الذى يبيتان فيه كان الجمل والناقة يعملان طيلة النهار وأول الليل. ما إن يسمعا صوت الولد الذى يدور حولهما كأنهما مزاران صوفيان قديمان: إخخخخ، حتى يهبطا من عليائهما ويعدان ظهريهما لاستقبال أجساد متتابعة، جاءت من أماكن عديدة. ثم يقفان على مهل، ويسيران إلى حيث يريد الولد، وإرادته مرهونة بقدر ما دفع له السائح الغريب، أو ابن البلد القريب، الذى جاء ليقضى نزهة مع أولاده عند سفح الأهرامات. (نكمل غدا إن شاء الله تعالى)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سيرة ذاتية لجمل 1 سيرة ذاتية لجمل 1



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt