توقيت القاهرة المحلي 10:15:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان فى مفترق الطرق

  مصر اليوم -

السودان فى مفترق الطرق

بقلم : مصطفى الفقي

لن أكرر المقولات التقليدية من أن السودان امتداد استراتيجى لمصر، وأن مصر امتداد استراتيجى للسودان، فتلك حقيقة أكدها التاريخ وحكمتها الجغرافيا، كما لن أخوض فى حديث التوأمة وخصوصية العلاقة بين البلدين، فتلك أمور يعرفها الجميع منذ أن كان شعار وحدة وادى النيل أطروحة على ألسنة المصريين والسودانيين فى الشمال والجنوب، ولكن دعنا نعترف بأن الأوضاع قد تغيرت، وأن الأمور قد تبدلت، فالعلاقات بين البلدين كانت نموذجًا للصعود والهبوط وفقًا لطبيعة الحكم فى كل من القاهرة والخرطوم، وأتذكر الآن أن الإمام المهدى الكبير أبدى انزعاجه عند مقتل جوردون باشا الحاكم الإنجليزى للسودان، وقال المهدى إنه كان يتطلع إلى مقايضته بأحمد عرابى المصرى ليعود من منفاه فى مقابل ضمان سلامة جوردون، وفى ذلك رد تاريخى على ما درج عليه المؤرخون من القول بأن العلاقات بين مصر وحزب الأمة كانت دائمًا متوترة، فليس ذلك صحيحًا على إطلاقه، كما أن علاقة القاهرة بالختمية ومولانا الميرغنى وأولاده لم تكن ذات خصوصية مطلقة أيضًا، فمصر تنظر دائمًا إلى السودان كوحدة واحدة ولا تنحاز لحزب دون الآخر أو تكون مع فصيل ضد غيره، ولقد مرت العلاقات المصرية- السودانية فى العقود الأخيرة بمحطات ثلاث رئيسية، هى:

أولًا: انهيار شعار وحدة وادى النيل عندما تحول الحزب الاتحادى برئاسة إسماعيل الأزهرى إلى الدعوة لاستقلال السودان بديلًا عن الوحدة مع مصر، وذلك بعد ثورة يوليو عام 1952 وسقوط تاج ملك مصر والسودان وشعور السودانيين بأن مصر تمضى فى طريق جديد لا تبدو ملامحه واضحة خصوصًا فى ظل الصراع على السلطة بين قائد الثورة عبدالناصر ونجيب الأب الروحى لها، والكل يذكر أن اتجاه مصر إلى المشرق العربى جاء تلقائيًا على حساب نظرتها إلى الجنوب وتمسكها بشعار وحدة وادى النيل.

.. وبلغت العلاقات المصرية- السودانية بعد الاستقلال درجة من الارتفاع والانخفاض فى عهود عبدالله خليل وإبراهيم عبود، كما لعبت شخصية ذات خصوصية فى تاريخ السودان الحديث، وأعنى بها السيد الصادق المهدى، الذى تربطنى به صداقة طويلة، لأنه فى ظنى كان النموذج الأفضل لقيادة السودان المستقل بحكم علمه وثقافته وفهمه العميق للسودان ومصر معًا، فضلًا عن مكانته الدينية وزعامته التاريخية.

ثانيًا: إن مجىء جعفر نميرى إلى الحكم يمثل فى ظنى أفضل فترات العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، فهو الذى رفض أن يقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر وفقًا لقرار القمة العربية بعد توقيع مصر معاهدة السلام فى 26 مارس عام 1979، وهو الذى تعايش مع عبدالناصر والسادات ومبارك حتى سقط نظامه بفعل حركة النقابات وقوى المجتمع المدنى السودانى التى أطاحت به، فعاش لاجئًا سياسيًا فى العاصمة المصرية التى أكرمت وفادته حتى رحيله، ولقد اقتربت منه سنوات منفاه فى القاهرة واستمعت منه إلى تفاصيل كاملة عن مسرح الحياة السودانية من وجهة نظره، وتعرضت فى حديثى معه إلى مسألة تهجير يهود الفلاشا، وعن دوره فى تلك العملية الشهيرة، وتذاكرت معه أزلية العلاقة بين القطرين، وكيف أن مصر لم تجد أفضل من السودان لاستقبال طلاب كلياتها العسكرية فى أعقاب نكسة عام 1967، وذكرته بأن الشعب السودانى الذى خرج فى الخرطوم لتحية عبدالناصر هو الذى أزال غشاوة النكسة وأعاد الثقة للقيادة التى كانت تعانى مرارة الهزيمة.

ثالثًا: إن ما يسمى ثورة الإنقاذ الوطنى عام 1989، المتمثلة فى الانقلاب العسكرى الذى قاده رهط من الضباط السودانيين المتأثرين بفكر الجبهة الإسلامية ومبادئ الإخوان المسلمين مع بعض التأثيرات البعثية، وهو انقلاب جرى بقيادة عمر البشير مستندًا إلى فكر حسن الترابى ودوره المعروف فى التحفظ تجاه السياسة المصرية عمومًا فى كل عهودها، وقد كان ذلك الانقلاب نقطة تحول واضحة فى تأكيد عداء كامل تجاه مصر والسعى لتقليص مظاهر وجودها فى القطر السودانى، بدءًا من جامعة القاهرة فرع الخرطوم مرورًا باستراحات الرى وصولًا إلى كل المظاهر التاريخية الباقية للعلاقة الوثيقة بين البلدين، كما اتخذ البشير مواقف إقليمية ودولية لا تتماشى مع السياق التاريخى لما نطلق عليه الروابط الأزلية بين البلدين، ودخل فى محاور معادية للقاهرة واستغل النزاع الحدودى فى مثلث حلايب وشلاتين ليجعل من ذلك قميص عثمان الذى يرتديه كلما شاء سعيًا لتشويه صورة مصر وتدمير الأسس الراسخة للعلاقات بين شطرى الوادى.

وعندما سقط نظام البشير الذى قسم السودان وأذكى كل النزعات العرقية والقبلية والجهوية تنفس السودان الصعداء فى ظل قيادة جديدة بدأت تعيد النظر فى العلاقات مع مصر انطلاقًا من مصادرها الإيجابية بعيدا عن الحساسيات الموروثة وبقايا السياسات الاستعمارية لكى ينطلق الشعبان فى ندية وتواصل من أجل مستقبل أفضل لهما وللمنطقة كلها، ولقد انعكس ذلك بالضرورة على الموقف السودانى فى مفاوضات سد النهضة وأصبحنا نشعر فى القاهرة بأن الاعتدال والوقوف على أرض وطنية سوف يكون هو سمة الحكم الجديد، واضعين فى الاعتبار أن العلاقات بين الشعبين كانت ولاتزال عميقة الجذور ولن يفرط فيها أحدهما، كما أننا لا يمكن أن نبدأ من جديد أو نكون فى مفترق الطرق

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان فى مفترق الطرق السودان فى مفترق الطرق



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 08:21 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt