توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثالثة الأثافي

  مصر اليوم -

ثالثة الأثافي

عريب الرنتاوي

يبدو أن البعض منّا يستكثر على غيره أمر الحديث في شؤون الدين أو الدعوة لتجديد الخطاب وفتح باب الاجتهاد، فهو يعتبر أن هذه المهمة، هي من اختصاصه وحده، بل وحكر عليه أو من هم من مدرسته، دون غيرهم من سائر خلق الله ... لقد استمرأ هؤلاء النطق باسم السماء، لذا نراهم يستهجنون أية محاولة من أهل الأرض للتطاول على اختصاصهم.

مع أن أمر الدين، هو شأن كل من يدين أو حتى لا يدين به، طالما أنه المكون الرئيس لتراثنا وثقافتنا وحضارتنا، وطالما أنه النظام العام للعلاقات بين أفراد المجتمع، وطالما أن الدستور حدد في مادته الثانية، أن «الإسلام دين الدولة»، ما يعني أن المسألة تهمنا جميعاً، بمن في ذلك غير المسلمين منّا.

ويخيل للبعض أن تدثره بملبس معين أو بمظهر خاص، (يعتقد أنه وحده المنسجم مع قواعد الإسلام) وتزوده ببعض المعارف المتفاوتة في درجة عمقها وتوسعها، هي المؤهلات التي تعطيه وحده «الوكالة الحصرية» للنطق باسم رسالة السماء، أو اقتراح تجديد الخطاب الديني وتحديثه ... حتى أنه ربما ذهب به الشطط، إلى حد الخلط بين تجديد الخطاب الديني وتجديد خطاب الحركات الإسلامية، مفترضاً بأنها وحدها من يحتكر صفة تمثيل المسلمين والنطق باسم الإسلام ... إقامة مثل هذا التماثل بين الخطاب الديني وخطاب الحركات، لا ينطوي على خطأ بيّن فحسب، بل وينطوي على قدر هائل من الغطرسة والتسلط ومصادرة الرأي الآخر وعرقلة أية محاولة للفهم.

إصباغ القداسة على الموروث الديني، منحى كارثي في تفكيرنا، دفعنا ثمنه باهظاً كشعوب ومجتمعات، وأجيال متعاقبة من أبناء وبنات هذه الأمة.... مع أن أكثر من تسعين بالمائة من هذا الموروث، هو من صنع البشر الخطائين، حتى أن بعض الفقهاء و»الراسخون في العلم» يقولون إن نسبة «المقدس» في النص المتوارث لا تتجاوز الواحد بالمائة، لا أكثر، في حين أن ركام المؤلفات والنصوص والفتاوى، هو من صنع البشر، ويقبل التفسير والنقد والتأويل والتفنيد، مثلما هو مصدر إلهام وينبوع معرفة متجدد كذلك... للمسألة وجهان، بعضنا لا يريد أن يرى سوى وجه واحد.

والمسلمون بعد العهد الراشدي عاشوا في ظل امبراطوريات وراثية، استبد فيها الحكام وتوارثوا الحكم واحتكموا للسيوف فيما بينهم، وعاشوا حياة السلاطين والأباطرة، طوّعوا العلماء واشتروا الذمم، وخلقوا أجيالاً متعاقبة من «فقهاء السلاطين»، الذين طالما لعبوا دورهم كـ «ذراع إيديولوجي» للسلطة القائمة ... هل ندرج هؤلاء في عداد مرجعياتنا ومصادرنا، ونحن الذين لا نكف صبح مساء عن الدعوة للإصلاح والتغيير، ونحمل على كل عالم أو فقيه اقترب من البلاط أو السلطان، حتى أن مؤسسات تاريخية كبرى، لم تسلم من ألسنة هؤلاء كالأزهر الشريف على سبيل المثال.

والحكاية ليست في جوهرها مقتصرة على من يدعو للتجديد والتحديث، وما إذا كان من المدرسة الإسلاموية أم لا؟ ... الحكاية ببساطة، أن بعض أصحاب «الحق الحصري» في النطق باسم الإسلام، كانوا سيُخرِجون أي مطالب بالإصلاح وتجديد الخطاب من المّلة، حتى وإن كان «معمماً» أو «متبحراً في علوم الفقه والشريعة والدين» ... هؤلاء يدافعون عن «الجمود العقائدي»، ويتناولون بسهامهم كل من دعا أو سيدعو للخروج من شرنقة «أفكارهم وتصوراتهم» للدين والعالم والحياة والدولة والمجتمع.

يا سادة يا كرام، أنتم من ترددون بأن الإسلام أنزل للناس كافة، ومن حق كافة الناس، أن تتحدث في أمور الدين، وأن تدعو للتحديث والتجديد ... وأن تبحث عمّا يجلب النفع للأمة ويدرأ الضرر عنها... سيما في هذه المرحلة بالذات، حيث تنتشر، وأحيان تسود، قراءات شاذة للإسلام، تجعل من «داعش» خلافة، ومن زعيمها «أميراً للمؤمنين» ... قراءات تعيد نساءنا إلى زمن الجواري و»المحظيات»، بل وتسومهن سوء العذاب في أسواق النخاسة والرقيق.

يا سادة يا كرام، إن لم تقوموا بأدواركم التي ننتظرها منكم، فلا تعيبوا على من يطرح السؤال، مبادرته، فمن غير اللائق وليس من الإسلام في شيء، أن تكون وظيفة الناطقين باسمه، أو مدّعي النطق باسمه، حتى لا نقول «مختطفيه»، هي التصدي بالتنديد والإدانة للباحثين عن إجابات معاصرة لأسئلة العصر، بعد أن تعذر الحصول عليها من بطون الكتب القديمة.

وليت أن هؤلاء تصدوا للتفريق بين «المقدس» و»البشري» في النصوص والتراث ... ليتهم أرشدونا إلى ما يجوز لنا أن نخوض فيها وما يمتنع علينا تناوله، لقلنا إنهم اجتهدوا، ولكل مجتهد نصيب... أما أن يكتفي القوم، بإطلاق النار بغزارة على من يسأل ويحاول، لا لشيء إلا لأنه لا يشبههم، فتلكم والله، ثالثة الأثافي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثالثة الأثافي ثالثة الأثافي



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt