توقيت القاهرة المحلي 22:39:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جهاد النفس.. فريضة غائبة (1-2)

  مصر اليوم -

جهاد النفس فريضة غائبة 12

عمار علي حسن

ما ينقصنا فى زمن الدم والهلاك وتوظيف الدين فى القتل والنهب باسم الجهاد فى سبيل الله هو الانحياز إلى «الجهاد الأكبر» حسب التعبير النبوى ذائع الصيت، حيث اعتنى الرسول، عليه الصلاة والسلام، بتعليم المؤمنين كيف يجاهدون النفس، التى هى أمّارة بالسوء، وملهمة بالفجور قبل التقوى، إلا من رحم ربى. ومقاومة النفس تعنى، كما يقول القشيرى فى رسالته الشهيرة: «فطمها عن المألوفات، وحملها على خلاف هواها فى عموم الأوقات»، وهى فى نظره «رأس العبادة»، وجوهر الإسلام وسره الأعظم، مستنداً إلى إجابة بعض الشيوخ الثقات عن معنى هذا الدين بقولهم: «ذبح النفس بسيوف المخالفة».
والنفس لها معنيان، كما يشرح أبوحامد الغزالى فى «إحياء علوم الدين»؛ الأول هو جامع قوة الغضب والشهوة فى الإنسان، والثانى هو ذات الإنسان، التى توصف بأوصاف مختلفة، بحسب اختلافها فى الأحوال. فإذا سكنت تحت الأمر وذايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سُميت «النفس المطمئنة». وإذا لم يتم سكونها وصارت مدافعة للشهوة ومعارضة لها سميت «النفس اللوامة». وإن تركت الاعتراض، وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات، ودواعى الشيطان سُميت «النفس الأمّارة بالسوء».
ويحفل التراث الصوفى بعبارات أثيرة حول مجاهدة النفس منها: «الراحة هى الخلاص من أمانى النفس»، و«سجنك نفسك فإذا خرجت منها وقعت فى الراحة الأبدية»، وما يقوله ابن عطاء الله السكندرى من أن: «النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، فالنفس تجرى بطبعها فى ميدان المخالفة، والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة، فمن أطلق عنانها فهو شريكها معها فى فسادها». ويزيد صوفى آخر هو الجنيد على ذلك بقوله: «النفس الأمّارة بالسوء هى الداعية إلى المهالك، المعينة للأعداء».
ويتوج الأمر بحديث شريف للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أخوف ما أخاف على أمتى: اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسى الآخرة»، ومسك الختام آية كريمة يقول فيها رب العزة سبحانه وتعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى» (سورة النازعات/ الآية 40).
وتأديب النفس وضبطها يقوم على أربعة أعمدة هى التوبة والمراقبة والمحاسبة والمجاهدة. والتوبة تعنى التخلى عن سائر المعاصى والذنوب، والندم على كل ذنب سالف، والعزم على عدم العودة إليه مستقبلاً. وهى بذلك تخلق قوة الإرادة وشدة البأس والقدرة على مقاومة هوى النفس، الذى يُضعف ذات الإنسان بقطعه للصلة بينه وبين ربه، وإفساده للعلاقة مع الناس وتخريبها. والمراقبة تعنى أن يأخذ الإنسان نفسه بمراقبة الله تعالى، ويُلزمها إياها فى كل لحظة، وفى كل حركة وسكنة، حتى يتم لها اليقين بأن الله مطلع عليها، عالم بأسرارها، رقيب على أعمالها، قائم عليها، وعلى كل نفس بما كسبت، وبذلك تصبح مستغرقة بملاحظة جلال الله وكماله، شاعرة بالأنس فى ذكره، واجدة الراحة فى طاعته، راغبة فى جواره، مقبلة عليه، معرضة عمن سواه.
والمحاسبة هى إكبار للذات الإنسانية بإلزامها التقوى الدائمة التى إن قلّت زادت بعد الحساب، واللوم على التقصير، والعودة مرة أخرى لمصالحة النفس. أما المجاهدة فتعنى فى مقصدها وغاياتها الاعتدال، والقصد فى الغرائز، والسعى لخلق التوازن فى النفس البشرية.
(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى).

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جهاد النفس فريضة غائبة 12 جهاد النفس فريضة غائبة 12



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt