توقيت القاهرة المحلي 10:46:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأدب والنبوءة السياسية

  مصر اليوم -

الأدب والنبوءة السياسية

عمار علي حسن


وهناك العديد من الأعمال الأدبية، العربية والأجنبية، التى تبرهن على وظيفة الأدب فى إثراء الخيال الاجتماعى والسياسى، من أمثال روايتى الأديب الفرنسى رابليه: «جورجونتوا» و«بانتاجيوريل»، ورواية الأديب البريطانى جوناثان سويفت «رحلات جاليفر»، ومسرحيتى شكسبير «الليلة الثانية عشرة»، و«حلم ليلة صيف»، ومسرحية توفيق الحكيم «رحلة إلى الغد»، ورواية نجيب محفوظ «رحلة ابن فطومة»، ومسرحيات يوسف إدريس «الفرافير» و«الجنس الثالث» و«المهزلة الأرضية».

والأوضح أو الأبرز فى هذا الصدد ثلاث روايات أولها رواية ألدوس هكسلى «عالم جديد شجاع» Brave New World، التى انتهى من كتابتها سنة 1931 ونشرت فى السنة التى تلتها، وهى تدور فى مجتمع شديد التحرر، ويبدى فيها تخوفه من تحكم العلم فى حياة الناس، حيث تخيل مدينة يقطنها العلماء، وتهجرها المشاعر والجمال، ويستعين أهلها بالعلم فى تلبية كل احتياجاتهم ورغباتهم، فيستغنون عن الزواج، ويكونون الأجنة فى قوارير بدلاً من أن تحملها أرحام الأمهات، ويكون الشاغل الوحيد لهم هو الاستمتاع بالجنس، ولا يهزهم الموت، بل يتعاملون معه بمشاعر محايدة وهدوء يغيظ وكأنهم آلات صماء.

وينقسم المجتمع إلى عدة مجموعات، كل مجموعة أو طبقة تعد إعداداً خاصاً يلائم تكوينها الجسمانى واستعدادها العقلى، أو يتم تربيتها فى بيئة شبيهة بالمصنع، حيث يتم تلقين أفرادها طوال الوقت، حتى وهم يغطون فى سبات عميق، كل الأفكار التى يجب أن يؤمنوا بها. ويعيش الفرد فى هذا المجتمع المتخيل فى غير كبد ولا مشقة فى تدبير احتياجاته الجسدية، وهو إن أراد شيئاً فلن يبذل جهداً فى سبيل الوصول إليه، إنما يكفيه أن يضغط على زر أو يحرك مقبضاً حتى يجد أمامه ما طلبه. وإن شعر أى فرد بأن هناك ما ينغص عليه عيشه، فيمكنه أن يبحث عن السلوى فى تعاطى المخدرات، وبذا فإن هذا المجتمع به تقنية للتناسل واللذة الجنسية، وتقنية لتحوير العقل والجسد من خلال التلقين أثناء النوم وجراحات التجميل وأقراص تمنح السعادة وتجدد الشباب، وتقنية للرفاهية والتسلية التى تشبع الحواس الخمس. لكن كل هذا لا يجعل الحياة مقبولة، وخالية من الملل، بل يعانى الإنسان فيها من ظمأ روحى شديد.

وثانيها رواية هـ. ج. ولز «شكل الأشياء فى المستقبل» التى صدرت سنة 1933 وحملت نبوءة بوقوع حرب فى الأربعينات، يتلوها حمى شديدة فى الخمسينات تقتل نصف سكان العالم، ولا يعود التماسك إلى العالم إلا فى منتصف الستينات بإيجاد «لجنة التحكم فى الجو والبحر»، وهى مجموعة من الناس تسعى لخلق «دولة عالمية»، لكن هذا الحلم لن يتحقق إلا بعد 56 عاماً أخرى يعيش فيها الناس موجوعين من الإرهاب والكبت. وعلى لسان أحد شخصيات الرواية يصف «ولز» ما يتوقع أن تكون عليه الحياة سنة 2100، حيث يمكن للناس أن يفعلوا ما يشاءون، من دون قيود ولا كوابح، لا يحكمهم إلا الاحترام اللائق للعقول، بل يتنبأ أنه بتربية سليمة للعقل والجسم وحماية مضبوطة وصارمة للملكية والمال العام بطريقة لم يكن بوسع الاشتراكيين الأقحاح أن يصدقوها.

وثالثها رواية جورج أوريل «1948» التى رأت النور سنة 1949 وتنبأ فيها بسيطرة قوة كبيرة على العالم تتقاسم مساحته، وتحول البشر إلى مجرد أرقام فى «جمهورية الأخ الكبير» الشمولية، التى تعد عليهم أنفاسهم، بعد أن تتحول القيم الإنسانية النبيلة إلى أمور تافهة، وتصبح الحياة خالية من العواطف والأحلام، ويتصرف البشر كأنهم آلات صماء. وتدور أحدث الرواية التى تخيلها «أوريل» فى مدينة لندن، وبطلها صحفى يعمل بـ«وزارة الحقيقة» يخضع لمراقبة لا إرادية من رجال الشرطة والجيران، رغم أنه مواطن شريف، ويُحرم من أن يلتقى بمن يحب، ويعرف أن السلطات تغير باستمرار المعلومات والبيانات الموثقة عن الأفراد لتتماشى مع رغبة ومصلحة الحزب المسيطر، وإرادة الحكومة التى يقودها الأخ الأكبر.

مثل هذه الروايات الثلاث، وغيرها، فتحت أمام الأذهان نافذة عريضة لتأمل المستقبل الاجتماعى والسياسى، وكانت مصدر إلهام للسياسيين أنفسهم، وجعلت العلماء والمفكرين يعملون فى سبيل تعظيم الفوائد وتجنب الخسائر التى حملتها تلك النبوءات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأدب والنبوءة السياسية الأدب والنبوءة السياسية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt