توقيت القاهرة المحلي 11:13:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«رحلة الضباع» (2-2)

  مصر اليوم -

«رحلة الضباع» 22

عمار علي حسن

فى رواية «رحلة الضباع» للدكتورة سهير المصادفة، يعترف الزوج نفسه باكتمال زوجته، فها هو يقول: «عام وأنا أحاول اتخاذ قرار بتركها، ولا أجد ثغرة واحدة فى هذه المرأة لتنفيذ قرارى. أقوم كل يوم بتأليف سيناريوهات جديدة تنهار جميعها أمام هدوئها وحبها اللامحدود.. أعود من الجريدة فأجد بيتى نظيفاً وغذائى جاهزاً، وهى فى قمة الأناقة تنتظرنى كعادتها فى لهفة».

وفى ثنايا الرواية نكتشف أن هذه الرؤية المتخلفة للمرأة التى تُعشش فى رأس الزوج لا تعود إلى مقته لزوجته أو غبنه من عقمها إنما تنبع من رؤيته الرجعية لكثير من الأمور، منها مثلاً تلك التى يعتقد فيها أن كتابة الأدب شىء لا يليق بالرجال، إذ يقول: «كنت عندما أمر على محررى صفحة الأدب، ويعرفوننى إلى شاعر أو روائى أسلم عليه بكل احترام لكننى فى الحقيقة بينى وبين نفسى كنت أشعر بغثيان ليس له حدود. لم أستسغ أبداً فكرة أنها وظيفة مناسبة لرجل.. رجل يجلس على مؤخرته طوال اليوم ليكتب قصصاً وحكايات! لا أدرى من أين أتتنى فكرة أن الرجل لا يناسبه كل هذا القدر من التأمل والكسل، ربما أستسيغ أن يكتب فلسفة أو فكراً أو كتاباً سياسياً أو فى علم اللاهوت والأكثر كتاباً علمياً، ولكن رواية أو قصة، طالما سخرت بينى وبين نفسى من هذه الفكرة».

وتحفل الرواية بلغة شاعرية فى كثير من المواضع، لأن كاتبتها شاعرة أيضاً، وهى مسألة نجدها فى كثير من العبارات مثل: «شعرها المبعثر على الوسادة كشلال من خيوط سوداء حريرية».. «أدوسها كما السجادة».. «قرأت صمتها».. «لا يقطعها إلا لهاث جدتى ومحاولة ابتلاعها لهواء الغرفة كله حتى تستطيع إكمالها».. «كانت رؤاى قد امتلأت عن آخرها بأظلاف الضباع ومناقير النسور وأظفارها وسماوات تمطر جماجم فوق رأسى».. «تتعاقب على روحى الهشّة شموس الله وأقماره».. إلخ.

وتزداد هذه الغنائية مع الحكاية القديمة التى تكتبها البطلة، حتى تحفظ وصية الجدات المتعاقبات عبر قرون طويلة، تكتبها لأنها عقيم، وبالتالى ليس بوسعها أن تنقلها شفاهة قبل موتها بأيام إلى حفيدتها من ابنتها كما تؤكد الوصية. وتبدأ هذه الغنائية بعبارة دالة تقول: «لا أتذكر أين أو ممن استمعت إلى هذه الحكاية يا بنتى. ولكنها ظلت تتردد فى أذنى وأنا أمتطى الأتان التى سرقتها من حوش بنى جحش، وأحاول المحافظة على مسيرة الشاة خلفى. تلك التى ربطتها فى عنق الأتان، حتى لا تهرب منى فأحرم من لبنها الذى قررت أن يكون زادى الوحيد طوال رحلتى، بالإضافة إلى ما سأجده من تمرات فى طريقى».

هذه الحكاية القديمة لا تجب الزمن الجديد للرواية، والذى يدور قبل ثورة يناير بقليل، ويستمر حتى وقوعها، ويتعمّق قبلها سنوات يستدل عليها من النقاش الدائر فى صحيفة «أندلسية» حول مستقبل الصحافة الورقية، ورئيس التحرير الفاسد الذى يكتب له محرروه، والكتّاب الذين هجروا الصحف إلى التليفزيون، لكن الكاتبة تعود عبر تتبُّع ماضى أبطالها إلى لحظات زمانية أبعد، يطوقها سياق اجتماعى وسياسى مقبض.

وتستخدم الكاتبة تقنيات عديدة فى نسخ خيوط روايتها، فهناك حكاية أساسية، هى العمود الفقرى للسرد، تتناثر على جنبيها حكايات صغيرة، تتوالد وتتناسل، لكنها لا تشذ عن الحدث الأصلى، ولا تشكل عبئاً عليه أو حمولات زائدة فوقه، إنما تعمّق مجراه وتعزّز مساره، وسط مجاراة لقانون «تداعى المعانى» والتنقل الحر عبر الأزمنة، والتبادل بين الشاعرية والتقريرية، لنجد أنفسنا فى النهاية أمام عمل روائى مميز، يضاف إلى رواية سهير المصادفة اللافتة «لهو الأبالسة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«رحلة الضباع» 22 «رحلة الضباع» 22



GMT 08:27 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

خواطر في زمن الحرب

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 08:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حالة الحرب والزحام على التحليل السياسي

GMT 08:07 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt