توقيت القاهرة المحلي 10:05:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كوارث الطبيعة وعلاقات الدول.. النزعة الإنسانية والتنمية «2- 3»

  مصر اليوم -

كوارث الطبيعة وعلاقات الدول النزعة الإنسانية والتنمية «2 3»

بقلم - عمار علي حسن

لم تلقَ الاتفاقيات التى أبرمتها الدول فى مجال الحفاظ على البيئة تطبيقًا كاملًا، بل تشهد انتهاكًا لبنودها، خاصة من الدول الكبرى. مع هذا، فإن النضال مستمر فى سبيل تنفيذ كل ما حوَتْه لنفع البشرية جمعاء، وتعزيز الجانب الإنسانى فى علاقات الدول.

ودفع الدول الكبرى إلى أن تلتفت إلى توجيه جزء من ميزانياتها الضخمة إلى البيئة، ودرء الكوارث، وإدارة الأزمات التى ينتجها «غضب الطبيعة»، ومساعدة البشر على التغلب على الأخطار التى تحدق بهم، ومنها الأمراض الخطرة، بدءًا من «سارس» (الالتهاب الرئوى الحاد اللانمطى)، فى آسيا إلى «جنوب البقر» فى أوروبا، إلى «الإيدز» و«السرطان» فى كل أنحاء العالم.

2- تسييس الطبيعة: ما من شك فى أن حياتنا صارت مُسيَّسة بشكل أو بآخر، فقد أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا وعاداتنا اليومية، وامتدت ذراعها، فطوّقت كل ما كنا نعتقد فى الماضى أنه بعيد عنها كل البعد.

وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هى الآلية التى ميزت علم السياسة فى القرن العشرين عن القرون التى خلت، فقديمًا كان هناك فرق واضح بين السياسى والأخلاقى، فالإجهاض، مثلًا، كان فى القرن التاسع عشر مسألة أخلاقية، وكان وضع الأسرة ومسائل الصحة والتربية بعيدة عن اهتمامات السياسة، باسم احترام الحياة الخاصة.

أما فى القرن العشرين، فتم توسيع ميدان السياسة ليشمل كل المسائل السابق ذكرها، وامتدت شبكة التفسير السياسى إلى كافة النشاطات الإنسانية، بل وصلت إلى الظواهر الطبيعية، فعدم هطول المطر أو وقوع الزلازل يبدو لأول وهلة أمرًا بعيدًا عن السياسة، لكن إعادة النظر فى هذه المسألة ستقود إلى نتيجة مفادها أن السياسة تقع فى قلب هذه الظاهرة الطبيعية.

فبعض الناس يعتقدون أن هذه الكوارث نجمت عن غضب الله سبحانه وتعالى على الحكام لظلمهم وفسادهم، وفى كل الأحوال فإنهم سيلجأون إلى السلطة لتنقذهم مما حل بهم من خسائر، وعليها أن تستجيب، فى هذه الأوقات الحرجة، حفاظًا على الشرعية وضمانًا للاستقرار السياسى.

فى ظل هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر، تأتى قضايا البيئة لتلقى بنفسها فى غمار العملية السياسية فى بُعديها المحلى والدولى، فهذه القضايا برزت فى نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهى حتى فى جانبها التقنى تستدعى استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسى على ما فرضته البيئة من قضايا فى شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم فى البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

3- إنتاج فاعلين دوليين جدد: فنظرية العلاقات الدولية التقليدية كانت تنظر إلى الدولة على أنها الفاعل الرئيسى فى النظام الدولى، لكن التاريخ الحديث والمعاصر شهد ميلاد «فاعلين دوليين» آخرين. وكانت لقضية البيئة نصيب فى هذا المضمار، فخلال عقدى السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، وُلدت ونمَت حركات «الخضر» والعديد من المنظمات البيئية والصناعية غير الحكومية، وراحت تمارس دورًا عالميًّا فى سبيل الحفاظ على البيئة، جنبًا إلى جنب مع الدول.

وقد تمكنت هذه المنظمات من إيجاد حالة من المعارضة ضد صيد الحيتان، وامتد نشاطها إلى مقاومة التلوث الإشعاعى والنفطى، وإلى قضايا «المشاعات العالمية»، وأصبح بعضها، مثل «الصندوق العالمى للحياة البرية» و«المعهد الدولى للبيئة والتنمية»، يقدم النصح للحكومات، بشكل دورى.

وتمكن بعضها من الحصول على صفة مراقب فى مؤتمرات الأمم المتحدة حول البيئة، بل إن بعضها يحضر ضمن الوفود الوطنية الممثلة فى هذه المؤتمرات. وهذا الحضور الفعال جعل هذه المنظمات تتحدث، شأنها فى ذلك شأن منظمات نظيرة تهتم بقضايا أخرى، عن «المجتمع المدنى العالمى».

4- إذكاء جدل «السيادة» و«العولمة»: فما فرضته العولمة قسرًا أو بالتراضى نال كثيرًا من المفهوم التقليدى لسيادة الدول، إذ لم يعد بمقدور الأخيرة أن تدّعى أن لها حدودًا بوسعها أن تمنع تدفق السلع والمعلومات، وأن بإمكانها رفض مطالب مؤسسات «المجتمع المدنى العالمى»، خاصة تلك المهتمة بحقوق الإنسان والتبشير بالقيم الديمقراطية.

ولم يعد بمقدور أى حكومة أن تعزل البلد الذى تقوده عن العالم، أو تُجرم أى مواطن يتصل بالهيئات الدولية المختصة، أو حتى وسائل الإعلام الخارجية، ليشكو إليها ظلمًا وقع عليه، أو يناشدها أن تساعده فى دفع ضرر طاله، ولم تُمكنه الظروف القائمة والإجراءات المتبعة فى بلاده من أن يدفعه، أو يرفعه عن كاهله. ويزداد هذا التصور رسوخًا حال تأسُّسه على الأفكار التى ساقها ميرفن فروست، عالِم العلاقات الدولية، من أن هناك فرقًا بين «الحقوق المدنية» و«حقوق المواطنة»، معتبرًا أن «الفرد يكون مواطنًا فى المجتمع الوطنى المتمتع بالسيادة، وهو فى الوقت نفسه مدنى فى المجتمع العالمى.

ومن هنا يكون له نوعان من الحقوق، الأول بوصفه مواطنًا محليًّا، والثانى لكونه فردًا عالميًّا، فإذا أضَرّت حكومته الوطنية بحقوقه العالمية بات من حق المجتمع الدولى أن يتدخل لحمايته»، خاصة أن سيادة أى دولة، حسبما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسى جان جاك روسو، هى مجموع سيادة الأفراد الذين يكونون هذه الدولة، وليست سيادة السلطة فقط، حسبما تذهب أنظمة كثيرة فى العالم الثالث، تجور على حقوق مواطنيها بدعوى التمسك بالسيادة الوطنية.

وجاءت قضايا الكوارث البيئية لتضيف زخمًا جديدًا إلى الجدل الدائر حول حدود سيادة الدولة فى ظل تجبر العولمة، فالمشكلات البيئية التى تتخطى الحدود تفرض تحديات الأفكار السائدة حول سيادة الدولة، ولاسيما أن هذه المشكلات نادرًا ما تنتجها سياسات وطنية متعمدة، بل هى فى الأساس تنجم عن تأثيرات جانبية غير مقصودة لعمليات اقتصادية- اجتماعية أوسع نطاقًا.

ومع ذلك، فإن البيئة أخف وطأة على سيادة الدولة من قضايا «حقوق الإنسان» و«المواطنة»، فالاستجابات حيال ما على البشرية فعله من أجل بيئة نظيفة وطبيعية أدت فى بعض الأحيان إلى توسيع نطاق سلطة الدولة، وتعزيز مشاركتها المجتمع الدولى برمته هذه الهموم. وهنا تلعب الدولة دومًا دور الطرف القانونى فى أى معاهدات دولية حول البيئة، منطلقة فى كثير من الأحيان من تصورها لما يقع فى نطاق سيادتها، وما يجب عليها تقديمه من تنازلات لمقتضيات العولمة.

(ونُكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى).

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كوارث الطبيعة وعلاقات الدول النزعة الإنسانية والتنمية «2 3» كوارث الطبيعة وعلاقات الدول النزعة الإنسانية والتنمية «2 3»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt