توقيت القاهرة المحلي 05:34:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

د. عمرو حلمي.. طبيب بارع وسياسي نبيل غادر دنيانا

  مصر اليوم -

د عمرو حلمي طبيب بارع وسياسي نبيل غادر دنيانا

بقلم : عمار علي حسن

نظر إلى الفلَّاحة الفقيرة المريضة وأشرق وجهه بابتسامة عريضة، فاطمأنت إليه. راح يسألها فى أدق التفاصيل، حتى استغرق اللقاء أكثر من نصف ساعة، ثم طمأنها بأنها ليست فى حاجة إلى جراحة، كما قال لها غيره، إنما دواء فقط، وبعدها ستصبح على ما يرام، وهو ما كان.

أربعون دقيقة يقضيها مع مريض واحد أحيانًا، يسمع منه بإمعان كل شيء، دون أن تفارق الابتسامة وجهه. يجمع معلومات كافية عن تاريخ المرض وحاله وأعراضه، قبل أن ينهض لفحص الجسد. حين رأيت هذا مرة، قلت له ضاحكًا:

ـ أنت واحد من قلة أطباء تصلح عليهم الآن صفة «الحكيم» كما كان يقال قديمًا.

هز رأسه قائلًا:

- الموارد البشرية للطب فى مصر لا تزال بخير، المشكلة فى المنظومة الصحية، والمأساة فى تراجع قدرة الناس على العلاج.

ظل هو يساهم على قدر طاقته فى تخفيف العبءـ فكان كلما حضر إلى عيادته فى شارع جامعة الدول العربية بحى المهندسين وجد فى انتظاره مع مرضاه من الطبقة الوسطى والعليا بعض الفقراء الذين يوقع عليهم الكشف مجانًا، ويحرص على أن يأخذوا أدوارهم حسب أسبقية الحضور مثل من دفعوا.

هذا الرجل النبيل، والطبيب العظيم، استيقظنا يوم الجمعة ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ على نبأ وفاته. خسرنا جميع د. عمرو حلمى، الطبيب المثقف والسياسى المعارض، ووزير الصحة الأسبق، ومدير مستشفى مصطفى محمود وأحد مؤسسيها الكبار، وأستاذ الطب الذى يشهد له تلاميذه بالقدرة والرصانة والحدب والأبوة التى تعانق فيها المحبة الجدية.

طالما كنت وغيرى نراه الطيبة والنبل والسكينة التى كانت تسرى بيننا فى وداعة وهدوء، متجسدة فى إنسان، لم يخلص لدوره كطبيب فقط، إنما أيضًا كان محبًا للمعرفة، يقرأ فى ضروبها ودروبها، وفى ركاب هذا حرص على عقد صالون شهرى فى عيادته، لمناقشة قضية أو ظاهرة أو مسألة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية، وكان النقاش خلالها يجرى دومًا فى حرية تامة، وهو لم يجزع لهذا أبدًا، إذ كان رجلًا جسورًا، على لين عريكته، واثقًا من نفسه، ومن محبته لبلده، التى طالما تمنى أن تكون فى رفعة وكفاية وعدل ومنعة.

شاركت فى هذا الصالون غير مرة، متحدثا عن قضية أو رواية أو كتاب صدر حديثا لى، وطالما كنت أراه قد سعى إلى شرائه، وقرأه قبل يوم المناقشة، فإن تدخل بما حباه الله من عقل منظم، ونفس سوية، يضيف دوما إلى ما قرأه، ويطرح ما يفيد.

أخجلنى غير مرة حين كنت أهاتفه محددا موعدا لفحص أحد من أهلى، فأصل لأجده قد أوصى مدير عيادته بإعفائى من ثمن الكشف. كنت أصر على هذا، فيقول لى الرجل:

- سيغضب منى د. عمرو.

وحرصت على أن أعوضه عن هذا بإهدائه بعض كتبى، سابقا إقدامه على شراء بعضها، فكان يتقبل هذا فى هدوء، ثم يقول:

- من الواجب على أن أشتريها، فأنا أعرف مشقة الكتابة، وقلة عائدها.

قبل وفاته بشهور هاتفنى وطلب منى أن أنظر فى مادة قد كتبها لسلسة تسمى «ما» تصدرها الهيئة العامة للكتاب للتعريف بالمعارف والعلوم الأساسية. كان مكلفا بكتابة نص قصير مركز تحت عنوان «ما الطب؟» فلما انتهى منه ودفعه إلى من طلبه، فوجيء به يطلب منه حذف الجزء الذى أورده فى بداية الكتاب عن تجربته مع الطب، لكنه كان يعتز بها، ويرى فيها إفادة لدارس الطب والقارئ العام معا، فطلب ممن رفض أن يكلف آخر بالكتابة.

طالعت النص فوجدته يفيض بالمعرفة العلمية الدقيقة، والتجربة العميقة التى تستحق أن تروى، فقلت له:

- اعتبره نواة لسيرة ذاتية، أو كتاب عام فى الطب، يجمع بين الخبرة الشخصية والمعرفة العلمية.

شجعته على أن يمضى فى طريقه فيكمل كتابه، ليخرج إلى الناس كما أراده هو، وليس كما حدد غيره. وعدنى بأن يخصص لهذا بعض وقته، وكنت أعرف كم يكون هذا صعبا على رجل مشغول بين العيادة والمستشفى، لا يتردد ولا يتأخر إلى دعى إلى جراحة ولو فى آخر الليل.

قبل وفاته بيومين فقط قابلته فى الصالون الشهرى للمهندس أحمد حسين وزوجته د، وفاء بيومى، فذكرته بالكتاب، فقال لى:

- أواصل كتابته على قدر الاستطاعة.

لم أكن أعرف وقتها أنه قد جاء ليودعنا، ولم أدرك طوال ثلاث ساعات تقريبا سر النظرة الساهمة الشاملة التى كان يلقيها على الوجوه والأشياء، وهو جالس إلى جانبى ملتحفا بالصمت كعادته، لا يتحدث إلا إذا وجد لهذا ضرورة.

أعرف أن الموت حق، وقدر قادم لا محالة، وأؤمن أن لكل أجل كتابًا، لكن حين وقعت عينى فجر الجمعة على نعى رفاقه وأصدقائه على «فيسبوك»، لم أصدق، أنكرت هذا وهو ما لا يُنكر، وأبغضته وهو ما أردد له العبارة التى كانت تقولها أمى دوما «اللهم طيبنا له». أغلقت الهاتف، وقلت:

- لابد أنها إغماءة، وسأستيقظ صبحا لأجده حيا، وأهاتفه، وأطلب منه أن يحكى لى تجربته مع الوقوف على حافة الموت.

مارست للمرة الأولى فى حياتى تجربة الهروب من الحقيقة، لكنها طاردتنى كظلى حين استيقظت لأجد الخبر مؤكدا.

نعيته، وجلست أستعيد كل ما مررت به معه، فى العيادة والصالون الثقافى وساحة السياسة المضطربة، التى لم أجدها قد هزته فى أى يوم، خوفا أو قلقا أو تنصلا من المهمة. كانت مهمة عمرو حلمى بين السياسيين حوله هو تذكير الجميع بما ينبغى أن يكون، بالواجب الذى لا تتم الأشياء إلا بإدائه، بالصوت الهادئ فى قوة الذى تندفع حروفه فى اتجاه كل ما يعود على البلاد والعباد.

زاوج حلمى فى رؤيته السياسية بين العدل الاجتماعى والحرية، وكان مؤمنا إلى أقصى حد بأن مصر العريقة بوسعها أن تنهض من جديد، وأن ما لديها يرزقها الكفاية عند من يحسن إدارة مواردها، ويظل قابضا على ما آمن به حتى الرمق الأخير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

د عمرو حلمي طبيب بارع وسياسي نبيل غادر دنيانا د عمرو حلمي طبيب بارع وسياسي نبيل غادر دنيانا



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt