توقيت القاهرة المحلي 21:13:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين أهمل ترامب «العلوم الإنسانية» تعثر جيشه في إيران

  مصر اليوم -

حين أهمل ترامب «العلوم الإنسانية» تعثر جيشه في إيران

بقلم : عمار علي حسن

سأل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن الذخيرة والسلاح، وعن المهندسين الذين حددوا بدقة إحداثيات المواقع العسكرية والمدنية الإيرانية التى يراد قصفها، وعن الأطباء المهرة الذين سيكونون فى خدمة الجرحى من ضباطه وجنوده، وسمع رأى التجار والسماسرة ورواد البورصة عن الثروة التى سيضع يده عليها فى الخليج كله على ضفتيه، ثم سأل عن القدرات العسكرية لإيران جيدًا، وقيل له بملء الأفواه:

ـ كله تمام يا أفندم، تفوقنا كاسح، والضربة قاضية، والمعركة لن تستغرق سوى ساعات، أو أربعة أيام على الأكثر. ما لم يسأل عنه ترامب هو جغرافية إيران وطبوغرافيتها، وتاريخه المديد، والفلسفة التى توجه نظام حكمه، والاعتقاد الذى يملأ صدور أهله، وطبيعة الشخصية الإيرانية، سواء كان الفرد فيها مع حكم الملالى أو ضده، وعن تركيبة المجتمع الإيرانى، وعن إمكانيات أهله فى اللغة والفنون.


نسى ترامب أهمية التاريخ والجغرافيا والفلسفة والاجتماع والدين والسياسة. نسى العلوم الإنسانية، واعتبرها تنظيرا فارغا، فلم يستدع إلى البيت الأبيض مؤرخين وعلماء نفس واجتماع وفلاسفة وجولوجيين وشعراء وفنانين ولغويين وسياسيين، ليشرحوا له كيف أن هذه العلوم مهمة فى الحرب، فكان تعثر الجيش الأمريكى.

اندهش ترامب لقدرة إيران على الصمود، وراح يقارن فروق التسليح والذخيرة، ويتعقب كل ما تمتلكه إيران فى هاتين المسألتين بالقصف، ويخرج كل مرة ليكذب قائلا: «دمرناها تماما» أو «دمرنا أغلبها». حكم عابر على الظاهر، لا يدرى صاحبه أن العلوم الإنسانية لدى الإيرانيين تقاتل أيضا إلى جانب الصواريخ والمسيرات.

يحتار ترامب ويسأل نفسه صباحا ومساء: ما سر تعثر الجيش الأمريكى فى تركيع إيران، وهو الأقوى بالعالم المعاصر دون منازع، ومعه إسرائيل القاعدة الجوية الضاربة فى الشرق الأوسط؟

لو عاد هذا الديكتاتور، المغرور المقامر المراهق قصير النظر، إلى ما قام به أسلافه من دراسة آداب اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية لمعرفة الشخصية اليابانية قبل السيطرة على أهل اليابان. لو أنصت إلى الدراسات الأمريكية حول الشخصية الإيرانية، التى لا تشكلها علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة والطب، إنما الجغرافيا والتاريخ والفلسفة وعلما النفس واللغة، ربما عرف من يقاتل، وربما لم يقدم على الزج بنفسه فى الحرب من أساسه.

الإيرانيون يقاتلون كشعراء، كزهاد، كمشروعات شهادة تدب على أقدام. يقاتلون بجغرافيتهم المعقدة، وخلفهم تاريخهم المديد، ويعبرون عن أنفسهم بطرق بليغة محددة واضحة فى معركة الإعلام، ويتصرفون وفق أحدث نظريات علم السياسة، لهذا يصمدون، إلى الآن. يقاتلون وهم يدركون أن استراتيجيات الدول وخططها الحربية لا يضعها العسكريون فقط، إنما ينصتون إلى صوت العلوم الإنسانية، الذى يملأ الفراغات، ويتمم زوايا النظر والعمل.

لا يمكن بناء أمة، ولا كسب حرب، إلا إذا قال علماء الإنسانيات كلمتهم عن الذات وإمكانياتها، وعن قدرات العدو الذى يراد نزاله، فى معركة هجومية أو دفاعية.

(٢)

ننتقل من صعب إلى أصعب. نحن نعيش زمنا قاسيا فى منطقة لم يكف كل من يطفو على سطح العالم قويا عن قصدها بطمع، من قبل كان هذا لأنها قلب الأرض، ومهبط الوحى، ومهد الحضارات الإنسانية، ثم ظهر النفط، عصب الاقتصاد فى كل مكان، وقبله قناة السويس الواصلة بسواعد البشر بين بحرين، وممر التجارة بين الشرق والغرب، لتجعل الطمع فى العالم العربى لا ينتهى، حتى بعد أن غربت حضارته، ولم يعد أهله معنيين بتبشير الناس بوحى السماء.


(٣)

لا يصدق ترامب فى شىء إلا فى كذبه، فهو مخلص له، والكذب مفتاح الشرور، والشرير الذى لا رادع دينيا أو أخلاقيا له، بوسعه أن يفعل كل شيء، غير عابئ بمن يتصور نفسه حليفا أو صديقا له. ترامب الذى قد يصرف عجزه عن كسر إيران فى استخدام قنبلة نووية ضدها، يمكنه أيضا أن يضحى بأهل الخليج العربى دون استثناء. ما يجهله مديرو الأمر فى بلدان العرب المكلومة بالحرب أن الشخص الشرير النرجسى مثل ترامب تزيده الطاعة والتملق والتحايل بطشا واستمراء ما يفعله على بشاعته، مستمتعا بتعذيب الآخرين، وتعلقهم بطرف ثيابه، وما يرده هو من يتصدى له لفظا وفعلا، واسألوا أطباء نفسيين، سيقولون لكم: مثل ترامب يجب ألا يجارى، بل يقارع ويعامل بحسم حين يخطئ، ويتم تجاهله حين يتمادى، ووقتها ستجدون أمامكم شخصا آخر، هرة كانت تحكى انتفاخا صولة الأسد. طالما أن شخصا واحدا متحكما الآن فى أمريكا فنهج التعامل معه يكون نفسيا، وليس سياسيا أبدا. كل هذا ينطبق على صنوه نتنياهو.

(٤)

الثقافة السياسية للشعب الأمريكى متدنية جدا، وهو منشغل أكثر بشؤونه الداخلية، خاصة الاقتصادية، ولولا أن هذه الحرب قد أثرت على مصالحه المباشرة لباركها، ولو كانت قد جلبت له منفعة لدعا إلى استمرارها، اللهم إلا قلة واعية ترفض تصرفات الإمبراطورية الهوجاء الرعناء الدموية، وتخشى على مستقبل المجتمع الأمريكى من اختطاف الدولة، ثم العالم، لحساب عصابة إبستين.

(٥)

تنزلق المعركة إلى «حرب استنزاف»، جغرافية إسرائيل لن تتحمل، وجغرافية إيران تمتص الضربات لكن الآلام تزيد بتدمير مقدرات البلاد الاقتصادية والعسكرية شيئا فشيئا، ودول الخليج العربى باتت بين فكى كماشة، وأمنها واقتصادها، بل وجود بعضها صار على المحك، وأمريكا تفقد هيبتها وتسييد إمبراطوريتها، والعالم كله يخسر اقتصاديا. نقف اليوم على شفا معادلة عض الأصابع الجهنمية، ونسأل: من يتوجع أولا؟

(٦)

احتدمت الحرب، وطال أمدها. استباح كل طرف ما لدى الآخر، بين فعل ورد عليه. تساءل المحللون الاستراتيجيون الموزعة مآربهم على الشاشات والميكروفونات وأوراق الصحف:

ــ من يعض أصابعه أولًا؟

ولم يدر أى منهم أن المتحكمين فى سير المعركة قد فقدوا أصابعهم فى قصف متبادل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين أهمل ترامب «العلوم الإنسانية» تعثر جيشه في إيران حين أهمل ترامب «العلوم الإنسانية» تعثر جيشه في إيران



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt