توقيت القاهرة المحلي 15:59:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

..وفيض من «بلاغة المقموعين»

  مصر اليوم -

وفيض من «بلاغة المقموعين»

بقلم - عمار علي حسن

(1)

يستوقفنى كثيرون فى الشارع سائلين عن الحال والمآل. بعضهم يطلب إلىّ أن أكتب لأصف بؤس أحوالهم. أنصت إليهم مليا فى شفقة، وأتعجب مما أسمعه منهم، فرغم كل ما جرى من غسل للأدمغة وزعزعة للنفوس، لا يزال الناس فى بلادى يثقون بأن الكلمة المنطوقة أو المكتوبة لها تأثير، إن لم يكن فيمن بأيديهم القرار ففى عموم الشعب الذى يكره الخرس والظلام، ولا يكف عن طلب المعرفة والنور والحرية والكرامة.

(2)

ليس من الحصافة أن يتصور أهل الحكم أن رأى الناس فيهم وموقفهم منهم ثابت لا يتغير، فالرأى العام فى أى بلد متقلب غير مستقر على حال، بل قد ينتقل من النقيض إلى النقيض، فتتحول الثقة لديه إلى شك عارم، والحب إلى كره جارف، والاطمئنان إلى قلق كبير، وهنا يصبح الناس منجذبين إلى كل الخيارات، لاسيما إن تساوت لديهم كل الأمور والحالات، ولم يبق لهم شىء يخافون عليه، أو يخشون منه، أو أدركوا أن عاقبة الجبن والتردد أوخم من عاقبة الشجاعة والإقدام.

(3)

أجد بعض تفسير للسخط الذى تطفح به مواقع التواصل الاجتماعى فى دراسة مهمة للدكتور جابر عصفور، هى «بلاغة المقموعين»، والتى يحلل فيها خطابا أنتجته المجموعات الهامشية التى لعبت دور معارضة سلطة الدولة، بدءا بالأمويين، وانتهاء بالدول المتأخرة التى صحبت انهيار الحضارة العربية، وتبدأ بالمعتزلة وبعض طوائف الشعية، والتنويرين المتمردين من طائفة الكتاب، والذين لقى بعضهم حتفهم بيد السلطة بدءًا بعبد الله بن المقفع ومن تبعه على هذا الدرب المؤلم من الفلاسفة والمتصوفة، الذين كان لديهم اعتراض على النقليين من أهل الأثر، وبالتبعية الاعتراض على السلطة التى كانت تدعم هذا الاتجاه.

ورغم أن الدراسة تتحدث عن زمن آخر، فإنها تعطى عمقا للنظر فيما يجرى الآن، وتبين فى كل الأحوال أن مكابدة الاستبداد فى حياة الشعوب العربية عمرها قرون، وبذا فإن الخروج منه يحتاج إلى نضال شاق، وجهد منظم، وأفكار إبداعية.

(4)

لا يمكن لعاقل أن يقتنع بأن الخروج من ضيق الحالى إلى براح الآتى سيتحقق بينما لا تزال المبانى تتقدم على المعانى، والحجر يتقدم على البشر. فالتاريخ علمنا أن عهود الانحطاط كانت هى العصر الذهبى للرخام.

(5)

ركل الشرطى بقدمه مشنة الليمون الناضر لعجوز تقف على طرف السوق، فتدحرج تحت أقدام العابرين. صرخت بكل ما أوتيت من قوة، وراحت فى نوبة بكاء طويل. جاء الناس مسرعين إليها، ودس كل واحد منهم يده فى جيبه وأخرج ما يقدر على مساعدتها به.

بعد أن مضوا جلست تعد ما تراكم فى جيبها، فجفت دموعها، وانبسط وجهها المنقبض، وسرت فى شرايينها دفقات عارمة من السرور.

جاءت فى اليوم التالى بليمونها، ووقفت فى مكانها المعتاد، تقلب عينيها يمينًا ويسارًا بحثًا عن أى شرطى ظلوم.

(6)

قابلت رجلا أسمر طويلًا، يجرى فى شارع عريض وفى يده إصيص مملوء بالدم، تنبت فيه شجيرة ذابلة، تهتز فتتساقط أوراقها تحت قدميه.

كان هناك أناس أبصارهم زائغة، وألسنتهم مشققة من كثرة الكذب، يتجمعون خائفين مفسحين له الطريق. حين اقترب منهم صرخ فيهم:

ـ هذه نهايتكم.

لاذوا بصمت طويل، بعد نُواح رجّ المكان، ثم لم يلبث أن نطق أحدهم:

لن نغادر ولو امتلأت كل قوارير البلد بالدم والنار.

فجأة غابت الشمس خلف سرب من الغربان راح يحوم حول الرؤوس المثقلة بعبء النهاية المفجعة.

نقلا عن المصري اليوم 

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وفيض من «بلاغة المقموعين» وفيض من «بلاغة المقموعين»



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt