توقيت القاهرة المحلي 11:48:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البطولة والشجاعة الخلاقة.. المعنى وكيفية التحلي بهما «1- 3»

  مصر اليوم -

البطولة والشجاعة الخلاقة المعنى وكيفية التحلي بهما «1 3»

بقلم - عمار علي حسن

تُجمع المعاجم العربية على أن البطولة هي الشجاعة الفائقة، التي لا يتصف بها إلا قليل من البشر، ويقدم ابن منظور في «لسان العرب» أسباب هذه التسمية بقوله «سُمى بطلًا لأن الأشداء يبطلون عنه، أو أن دماء الأقران تبطل عنه، فلا يُدرَك لهم ثأر»، أما معجم أكسفورد، فيرى أن البطل Hero هو «المحارب العظيم والمقاتل الشجاع»، وهو «القائد القوى الملهم الذي بوسعه أن يحدد مسار التاريخ»، أو «الشخص الذي اشتهر بين الناس بإنجازاته الكبيرة أو صفاته الحميدة» حسب ما تذكره الموسوعة الأمريكية.

فإذا انتقلنا من الحرب إلى الإبداع والمعرفة والمخيلات الشعبية يكون البطل هو «الشخصية المحورية في حكاية أو رواية أو ملحمة من أي نوع من الأدب الملحمى»، كما تذكر الموسوعة البريطانية، وهو هنا يبدو تعبيرًا فنيًّا واعيًا أو غير واعٍ عن أشواق ورغبات تعتمل في نفوسنا بحثًا عن الاكتمال الإنسانى، أو محاولة فهم الواقع وسبر أغواره.

وللبطولة ركائز لا تخفى على أحد، أولاها فيض الحيوية، إذ إن البطل يتمتع بقوة بدنية فائقة، بغض النظر عن حجم جسمه، طويلًا أو قصيرًا، سمينًا أو نحيلًا. ولم يعرف التاريخ بطلًا غير موفور الصحة، أو متداعى البناء، بليد المشاعر والإحساس. وثانيتها رسوخ العقيدة، بوصفها القوة التي تهيمن على الفكر والمشاعر والعزيمة، وتحمى الفرد عند الملمات، وتمده بطاقة على الصبر، وتملؤه بالاطمئنان وقت القلق، والثقة وقت الاضطراب، وتجعل العظائم تصغر في عينيه، مادامت باطلًا، والصغائر تكبر في نفسه مادامت حقًّا.

والعقيدة هنا لا تقتصر فقط على ما يُستمد من الدين وجلاله، بل أيضًا على ما تمنحه المذاهب والرؤى الوضعية، والأيديولوجيات متكاملة الأركان، والعلوم التجريبية، فكل هذه الخلفيات العميقة تمنح صاحبها قدرة على مواجهة الصعاب التي تعترض طريقه، وإصرارًا على تحقيق غاياته، لكن كل المعتقدات تصغر وتتضاءل أمام الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

وعمومًا، فإنه لولا إيمان الأبطال في كل مجال من مجالات الحياة بما يدور في عقولهم وتنطوى عليه جوانحهم ما تقدمت الحياة بنا خطوة واحدة، فالسياسى المؤمن بقضية بلاده، والمفكر المؤمن بآرائه، والعالِم المؤمن بمخترعاته واكتشافاته، ورجل الدين المؤمن بانتصار الحق في النهاية، هم جميعًا مَن دفعوا الحياة دفعًا إلى الأمام، ولولاهم لتوقفت أرجل الناس عن المسير، وتجمدت مصائرهم عند المرحلة الأولى.

أما الركيزة الثالثة فهى الشجاعة، إذ لا بطولة من دون شجاعة فائقة لأنها عدة البطل في الحرب وسلاحه، ولأنها في السلم القوة الدافعة إلى الاعتصام بالعقيدة، والصدع بكلمة الحق، والتنديد بمفاسد المجتمع، وهى الباعث للمستكشفين على المجازفة بحياتهم، وعلى هجر أوطانهم ليَرِدُوا الأصقاع المجهولة والبقاع التي لم تَخْطُ عليها قدم، فينتفع العالم بخيراتها، ويعرف أحوالها، ويضيف إلى علمه علمًا، وهى التي تحفز المخترع إلى السهر والدرس والبحث، فيُجرى التجارب في معمله أو في الجو أو في قاع البحر، وهو على ثقة من أن الموت يرصده.

والركيزة الرابعة هي مضاء العزيمة، عاجلها وآجلها، باعتبارها القوة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان لتسيطر على رغباته، وتضبط حركته، وهى مستمدة من الفطرة الإنسانية، وتأتى التجارب والخطوب لتصقلها وتمتنها، وتجعلها عزيزة لا تقبل الذل، أبية لا ترضى الهوان. والركيزة الخامسة هي الاعتداد بالنفس، الذي يمنح البطل عزة وثقة في نفسه، وهيبة في نفوس الناس، ويحصنه من الوقوع في فخ الغرور القائم على الادعاء والمبالغة والكذب، أو السقوط في أوهام الخيلاء المنطوية على الكبر والاستكبار، أو التردى في الأثرة التي تتأسس على جنوح وتزيُّد في حب النفس، وحرص على إشباع ملذاتها ومتعها.

أما الركيزة السادسة فهى الرحمة، فالبطل ليس وحشًا كاسرًا، قاسى القلب، متبلد المشاعر، بل هو إنسان عطوف، طيب القلب، رقيق المعاملة، وهذا لا يتناقض مع شجاعته ومضاء عزمه. ومَن يتصور أن البطولة خالية من الرحمة، فإنه خاطئ أو مغرض، يتوهم أن البطولة تدمير وتخريب وإفساد وغطرسة، وينسى أن الأبطال في تاريخ الإنسانية قد عرفوا الرحمة والعطف والوفاء والضعف أمام المواقف الإنسانية.

فالبطولة مرتبطة بالأخلاق ارتباطًا شديدًا، فالبطل لا يميل إلا إلى الواجب، ولا يخون الأمانة. وترتقى البطولة كلما تعلقت بالغايات العظيمة، والبطولة التي لا يبغى البطل من ورائها مجدًا وصيتًا، أو يسعى إلى الكيد إلى خصم، أو تحقيق منفعة مادية، هي البطولة السامية، التي لا تموت بموت صاحبها، بل تظل باقية حين تؤثر في أتباع البطل ومريديه، أو ترفعه إلى أن يكون مثلًا أعلى يُحتذى به على مر الزمن.

والأبطال إما أن يكونوا حقيقيين كالذين نعرفهم في السياسة والحرب والمعرفة والعلم والدين، مثل هؤلاء الذين ذكرهم توماس كاريل في كتابه الأثير «الأبطال»، أو أسطوريين تصنعهم قرائح الشعوب وأقلام بعض الكُتاب المبدعين، إما اختلاقًا كاملًا، أو بإضفاء صفات خارقة على قادة وشخصيات عادية بعد موتها. وهنا يقول كاريل: «إن من أسباب العزاء أن في ذكرى الأبطال العظماء، كيفما كانت، نفعًا وفائدة. والرجل العظيم لا يزال بعد موته ينبوع نور يتدفق، فليس أحسن من مجاورته شىء.. نور يضىء، وكان يضىء ظلمات الحياة. وليس هو كسراج أُشعل، ولكنما نجم شبته يد الله بين أشباهه من كواكب الأفق.. هو ينبوع نور يتدفق بالحكمة ومعانى الرجولة والشرف الكبير».

(ونُكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البطولة والشجاعة الخلاقة المعنى وكيفية التحلي بهما «1 3» البطولة والشجاعة الخلاقة المعنى وكيفية التحلي بهما «1 3»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt