توقيت القاهرة المحلي 10:06:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخروج إلى الحياة

  مصر اليوم -

الخروج إلى الحياة

بقلم - عمار علي حسن

ليسوا هم الذين يعرفهم الناس، لأنهم قد رأوهم وسمعوهم وألفوهم في كل الأيام التي خلت، لكنهم أولئك الذين يقفون على أبواب النهاية خلف مكاتبهم الصدئة والدهشة تملأهم مما آلت إليه حالهم. خمسة رجال هم، يقول أحدهم وهو يدقق النظر في مكتوب آتاهم يطلب منهم تجهيز أوراق إحالتهم إلى التقاعد:

مرت السنون في غفلة منا.

ينظرون إليه، ويتعجبون من قوله، رافعين وجوههم إلى اللوحات المستقرة على حوائط المكتب التي ألفوها منذ زمن طويل، حتى ظنوا أنها خالدة، وقالوا له:

ـ لا، أنت تكذب.

قهقه، وقال لهم:

ـ ليُخرج كل منكم بطاقة الرقم القومى وينظر فيها جيدًا ليعرف كم عمره.

امتثلوا لما أراد، لكنهم رفعوا وجوههم من فوق البطاقات التي امتثلت على أكفهم، وقالوا له:

ـ لا يمكن.

قهقه، وقال:

ـ هذه تواريخ رسمية لا مكان لتكذيبها.

وقال أحدهم:

ـ نسيتم أنكم خريجو دفعة واحدة في كلية التجارة، وأن تواريخ ميلادكم متقاربة.

طوحوا أكفهم في وجهه رافضين ما سمعوه، وقال أحدهم:

ـ تحدث عن نفسك، فأنا لا يزال شعر رأسى أسود.

قهقه وقال له:

ـ لو كان الأمر بلون الشعر لظل رئيسك في العمل فوق كرسيه سنوات أطول مما تظن، فهو ماهر في الصباغة.

تمنى في هذه اللحظة لو كان في الحجرة الوسيعة ذات الأثاث البسيط البالى مرآة، ينظرون جميعا فيها إلى رؤوسهم قبل أن يردوا عليه، لكنهم اكتفوا بالنظر إليه في غضب، وقالوا في صوت واحد، وكأنهم قد اتفقوا عليه من قبل:

ـ ليس في المرايا أي جواب.

ورغم أنهم أمنوا طيلة حياتهم بتلك الورقة الأخيرة التي يحط في أسفلها النسر المغموس بحبر أزرق، فإنهم هذه المرة لم يروه أبدا. وقال الذي كانوا يظنون أنه كبيرهم محملقا فيهم من خلف أكبر مكتب في الغرفة:

ـ لم نسمع أبدا أن جميع موظفى مكتب قد أحيلوا إلى التقاعد في وقت واحد.

قهقه الأول وقال:

ـ على مدار ستة وثلاثين عاما لم يعتقد أي منا أننا محشورون هنا إلى مصير واحد. تخرجنا في كليات مختلفة، وتم تعييننا في المؤسسة الكبرى بفروعها، وها نحن اليوم فقط نكتشف أن ما يفصل بين تواريخ ميلادنا ضئيل. كلنا موزعون على ثلاثة أيام رغم اختلاف أمهاتنا، والأماكن التي رأينا فيها الدنيا.

انتبه الثانى إلى ما سمعه، وقال:

ـ غريبة، كنا متقاربين هكذا، بينما قضينا العمر هنا في صراع.

رد الثالث:

ـ تقاتلنا دون سلاح على من يجلس فينا على أكبر وأنظف مكتب في هذه الحجرة، ثم الانفلات منها إلى غيرها، فسيحة نظيفة يتوسطها مكتب أنيق، وبعضنا اعتقد أن بوسعه أن يصل إلى أعلى كرسى في هذه المؤسسة.

قال الرابع:

ـ كانت أوهامًا.

قهقهوا في صوت واحد وكأنهم اتفقوا على هذه الضحكة الطويلة التي أعقبتها دموع رقرقت في عينيّ كل منهم، ليرى من خلالها ما يأتى وهو يرتجف في غبش صنعته قطرة الماء الساخنة الرجراجة.

الأول رأى نفسه جالسا على مقهى بسيط قريب من بيته يروض الوقت. الثانى كان جالسا في صالون بيته يدفن رأسه في المسند اللين ليختبئ. الثالث عرف كيف يقف في المطبخ ساعات زاعمًا أنه طباخ ماهر. الرابع عاد إلى قريته ليزرع قطعة أرض صغيرة اعتاد تأجيرها طوال أيام الوظيفة.

راح الخامس يقلب التلفزيون بحثا عن أي قناة أطفال. وجدها أخيرا، غارقة في ألوان بديعة، وحركات عفوية، وكلمات مرتبة تتهادى على إيقاع موسيقى، وتتوالى صور حيوانات وطيور وأسماك وقطع سحب سابحة في سماء وسيعة، لا تلبث أن تذوب في شعاع شمس عفية، تحط على شواشى نخل باسق، وزروع يانعة.

حملق طويلًا في الصور التي تتوالى كأنها تركب قطارا يسرع نحو أمل وجمال بعيدين، ولمَّا اطمأن إلى أنه وحيد في البيت بعد خروج زوجته إلى السوق، تخفف من الروب القديم البالى، ومن الشبشب الجلد، وراح يرقص فوق السجاد القديم، ومنه البلاط البارد، ومنهما إلى الردهة المؤدية إلى نافذة تطل على مدرسة ابتدائى. وجد نفسه ساعة الفسحة التي تتوسط اليوم الدراسى ينظر إليهم طويلا، ثم يتقافز مثلهم، هم في الفناء الفسيح، وهو بين جدران تصده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخروج إلى الحياة الخروج إلى الحياة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ مصر اليوم

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 08:42 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عطر كوير سادل من ديور تجربة حسية فريدة

GMT 15:46 2022 الخميس ,15 كانون الأول / ديسمبر

بيرسي تاو يغيب عن الأهلي 30 يوما في 7 مباريات

GMT 00:49 2021 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

وفاة منتج و3 آخرين على طريق "المحور" في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt