توقيت القاهرة المحلي 14:40:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخروج إلى الحياة

  مصر اليوم -

الخروج إلى الحياة

بقلم - عمار علي حسن

ليسوا هم الذين يعرفهم الناس، لأنهم قد رأوهم وسمعوهم وألفوهم في كل الأيام التي خلت، لكنهم أولئك الذين يقفون على أبواب النهاية خلف مكاتبهم الصدئة والدهشة تملأهم مما آلت إليه حالهم. خمسة رجال هم، يقول أحدهم وهو يدقق النظر في مكتوب آتاهم يطلب منهم تجهيز أوراق إحالتهم إلى التقاعد:

مرت السنون في غفلة منا.

ينظرون إليه، ويتعجبون من قوله، رافعين وجوههم إلى اللوحات المستقرة على حوائط المكتب التي ألفوها منذ زمن طويل، حتى ظنوا أنها خالدة، وقالوا له:

ـ لا، أنت تكذب.

قهقه، وقال لهم:

ـ ليُخرج كل منكم بطاقة الرقم القومى وينظر فيها جيدًا ليعرف كم عمره.

امتثلوا لما أراد، لكنهم رفعوا وجوههم من فوق البطاقات التي امتثلت على أكفهم، وقالوا له:

ـ لا يمكن.

قهقه، وقال:

ـ هذه تواريخ رسمية لا مكان لتكذيبها.

وقال أحدهم:

ـ نسيتم أنكم خريجو دفعة واحدة في كلية التجارة، وأن تواريخ ميلادكم متقاربة.

طوحوا أكفهم في وجهه رافضين ما سمعوه، وقال أحدهم:

ـ تحدث عن نفسك، فأنا لا يزال شعر رأسى أسود.

قهقه وقال له:

ـ لو كان الأمر بلون الشعر لظل رئيسك في العمل فوق كرسيه سنوات أطول مما تظن، فهو ماهر في الصباغة.

تمنى في هذه اللحظة لو كان في الحجرة الوسيعة ذات الأثاث البسيط البالى مرآة، ينظرون جميعا فيها إلى رؤوسهم قبل أن يردوا عليه، لكنهم اكتفوا بالنظر إليه في غضب، وقالوا في صوت واحد، وكأنهم قد اتفقوا عليه من قبل:

ـ ليس في المرايا أي جواب.

ورغم أنهم أمنوا طيلة حياتهم بتلك الورقة الأخيرة التي يحط في أسفلها النسر المغموس بحبر أزرق، فإنهم هذه المرة لم يروه أبدا. وقال الذي كانوا يظنون أنه كبيرهم محملقا فيهم من خلف أكبر مكتب في الغرفة:

ـ لم نسمع أبدا أن جميع موظفى مكتب قد أحيلوا إلى التقاعد في وقت واحد.

قهقه الأول وقال:

ـ على مدار ستة وثلاثين عاما لم يعتقد أي منا أننا محشورون هنا إلى مصير واحد. تخرجنا في كليات مختلفة، وتم تعييننا في المؤسسة الكبرى بفروعها، وها نحن اليوم فقط نكتشف أن ما يفصل بين تواريخ ميلادنا ضئيل. كلنا موزعون على ثلاثة أيام رغم اختلاف أمهاتنا، والأماكن التي رأينا فيها الدنيا.

انتبه الثانى إلى ما سمعه، وقال:

ـ غريبة، كنا متقاربين هكذا، بينما قضينا العمر هنا في صراع.

رد الثالث:

ـ تقاتلنا دون سلاح على من يجلس فينا على أكبر وأنظف مكتب في هذه الحجرة، ثم الانفلات منها إلى غيرها، فسيحة نظيفة يتوسطها مكتب أنيق، وبعضنا اعتقد أن بوسعه أن يصل إلى أعلى كرسى في هذه المؤسسة.

قال الرابع:

ـ كانت أوهامًا.

قهقهوا في صوت واحد وكأنهم اتفقوا على هذه الضحكة الطويلة التي أعقبتها دموع رقرقت في عينيّ كل منهم، ليرى من خلالها ما يأتى وهو يرتجف في غبش صنعته قطرة الماء الساخنة الرجراجة.

الأول رأى نفسه جالسا على مقهى بسيط قريب من بيته يروض الوقت. الثانى كان جالسا في صالون بيته يدفن رأسه في المسند اللين ليختبئ. الثالث عرف كيف يقف في المطبخ ساعات زاعمًا أنه طباخ ماهر. الرابع عاد إلى قريته ليزرع قطعة أرض صغيرة اعتاد تأجيرها طوال أيام الوظيفة.

راح الخامس يقلب التلفزيون بحثا عن أي قناة أطفال. وجدها أخيرا، غارقة في ألوان بديعة، وحركات عفوية، وكلمات مرتبة تتهادى على إيقاع موسيقى، وتتوالى صور حيوانات وطيور وأسماك وقطع سحب سابحة في سماء وسيعة، لا تلبث أن تذوب في شعاع شمس عفية، تحط على شواشى نخل باسق، وزروع يانعة.

حملق طويلًا في الصور التي تتوالى كأنها تركب قطارا يسرع نحو أمل وجمال بعيدين، ولمَّا اطمأن إلى أنه وحيد في البيت بعد خروج زوجته إلى السوق، تخفف من الروب القديم البالى، ومن الشبشب الجلد، وراح يرقص فوق السجاد القديم، ومنه البلاط البارد، ومنهما إلى الردهة المؤدية إلى نافذة تطل على مدرسة ابتدائى. وجد نفسه ساعة الفسحة التي تتوسط اليوم الدراسى ينظر إليهم طويلا، ثم يتقافز مثلهم، هم في الفناء الفسيح، وهو بين جدران تصده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخروج إلى الحياة الخروج إلى الحياة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt