توقيت القاهرة المحلي 08:42:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما أبعدنا حتى اليوم عن «الدولة المدنية»!

  مصر اليوم -

ما أبعدنا حتى اليوم عن «الدولة المدنية»

وحيد عبد المجيد

وقع نبأ الحكم بسجن الكاتب كرم صابر خمس سنوات بتهمة مطاطة يُطلق عليها «ازدراء الأديان» كالصاعقة على كل من كان يتمنى توفر الإرادة السياسة للالتزام بالدستور الجديد الذى تنص ديباجته للمرة الأولى على أن مصر دولة حكومتها مدنية، ويتضمن نصوصاً تحمى حرية الفكر والرأى والتعبير بكل الوسائل وحرية البحث العلمى وحرية الإبداع الفنى والأدبى (المواد 65 و66 و77) بصورة واضحة لا لبس فيها. غير أن الحكومة، التى يُقصد بها دستورياً نظام الحكم فى مجمله، لم تقرأ الدستور بعد أو ربما لا ترى ضرورة له من أصله أو لعلها لا تعرف ما الذى ينبغى عليها أن تفعله. فلم يهتم المشَّرع بتعديل نصوص مطاطة فى قانون العقبات تعود إلى عصور مضت وصار وجودها مخجلاً فى هذا العصر حتى إذا لم تكن مصر دولة حكومتها مدنية. ويتزامن ذلك مع امتثال هذه الحكومة التى يفترض أنها مدنية لابتزاز بعض رجال الدين الذين هاجموا فيلما سينمائياً جديداً لم يشاهدوه وهو فيلم «سفينة نوح»، وأمروا بعدم عرضه فى مصر رغم أنهم ليسوا مؤهلين لتقييمه لأنه لا يروى قصة سيدنا نوح بل يستلهمها فى إطار درامى مبدع يدعم فكرة الإيمان الدينى فى حد ذاتها ويساعد فى بناء العلاقة المفقودة فى مجتمعنا بين العقل والدين. فليس ممكناً أن تكون لدولة صلة بالمدنية وهى ترضخ لتهديد من لا يدركون رسالة الفن، وقد لا يفهمون أصلاً معناه، حتى إذا أقامت احتفالا باسم «عيد الفن» وأحيت ليلة مليحة مليئة بالكلام اللطيف عن هذا الفن. وحتى هذه الليلة، التى كان الهدف منها تأكيد تقدير الدولة للفن، أظهرت عكس ذلك عندما قامت أجهزتها الأمنية الخشنة بطرد الفنان الشاب الجميل محمد محسن من دار الأوبرا وإلغاء فقرته، فهذه الممارسات تعنى أن من يحكم مصر حتى اليوم أبعد ما يكونون عن الحكومة المدنية التى تحترم الفن وتعول عليه فى تنوير المجتمع وإضاءة البيئة المجتمعية المظلمة الحاضنة للإرهاب، فالفن ليس ترفيهاً فقط ولا فى المقام الأول، ولا هو مجرد أغان وأناشيد حماسية فارغة من المعنى. فقيمة الفن العليا هى فى تنويره للمجتمع وتشجيع عقل المتلقى على التفكير والتأمل. ولذلك لم تكن مصادفة الدور المحورى الذى قام به الفن فى نقل أوروبا إلى العصر الحديث. فكان الفن هو عماد عصر النهضة الذى ربط بين عصر الإصلاح الدينى وعصر التنوير. ولم يكن ممكناً أن يتقدم من شقوا طريقهم إلى صدارة العالم الآن بدون الفن الذى لا تعرف مؤسسات دولتنا رسالته الحقيقية، مثلما لا تعى معنى النص الدستورى (مصر دولة حكومتها مدنية). والحال أننا لا نستطيع أن نجعل الرابط الاجتماعى بين الناس (فى دولة حكومتها مدنية) رابطاً مدنياً وليس عقائدياً مادمنا نسجن من يقدم إبداعاً فى هذا الإطار المدنى بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه، ونفتح الأبواب لكل ما يدعم التطرف وكراهية الآخر ويقيم فاصلاً عقائدياً بين الناس بدلاً من بناء رابط مدنى يجمعهم، ونمنح رجال دين سلطة منع عرض الفن الذى يساعد فى بناء هذا الرابط عبر التنوير الذى يربط بين العقل والدين. فلا يستقيم أن تكون الحكومة (أى سلطة الدولة بكل فروعها) مدنية وهى لا تقوم بدورها فى وضع قواعد مدنية لإدارة الاختلاف بين الناس وليس لإلغائه، وتنظيم المجال العام على أساس مدنى وليس عقائدياً. فما أشده الألم الذى يعترى اليوم كل مصرى تطلع لأن تكون إضافة ثورة 30 يونيو إلى أهداف ثورة 25 يناير هى استعادة العقل الذى أدى تغييبه لعقود إلى وقوع مصر فى براثن بعض تجار الدين الذين حاولوا الاستيلاء عليها بعد وصولهم إلى السلطة. وبمقدار تبدد الأمل، تكون شدة الألم. غير أن شيئاً لم يتغير إلى الأمام بعد 30 يونيو، مثلما لم يجد جديد أفضل بعد 25 يناير، بل على العكس أخذت العجلة تدور إلى الوراء سواء على صعيد الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية أو على مستوى العقل الذى صار الخطر عليه أكبر. ففى الوقت الذى تتنامى فيه نزعة غوغائية ترفع اسم الوطن وتزعق بالوطنية وتسرف فى التخوين والترويع عن مؤامرات كونية معظمها خرافى، يستمر الاتجاه إلى تسييس الدين والاتجار به واستغلاله لتحقيق أهداف لا صلة له بها ومحاصرة العقل الذى لا نجاة لنا إلا بإعماله. وفى الوقت الذى يخلو فيه القانون من أى عقوبات على الاتجار بالدين، نجده يحفل بعقوبات على الفكر والإبداع الأدبى والفنى الذى يساهم فى التنوير لتخفيف الآثار الكارثية المترتبة على ممارسات المتاجرين بالدين على أرض الدولة التى «حكومتها مدنية» وفى فضائها الإلكترونى على حد سواء. نقلاً عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما أبعدنا حتى اليوم عن «الدولة المدنية» ما أبعدنا حتى اليوم عن «الدولة المدنية»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt