بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
يفيد تحديد أنماط الإدراك التاريخى، أو أنماط الوعى بالزمن، فى فهم الجدال الذى اشتعل فى الوعى العربى منذ قرنين, وبدا فى لحظات تأزمه وكأنه إيذان باندلاع حرب أهلية فكرية بين فسطاطين ثقافيين يمثل أحدهما دعاة الأصالة أو التراث والثانى دعاة الحداثة أو المعاصرة. من هذا المدخل يلج المفكر المغربى عبدالإله بلقزيز لتقديم رؤية متكاملة للجدال الممتد بين الفسطاطين فى كتابه الجديد «الزمن والهوية والقيم» الصادر عن منتدى المعارف ببيروت. وهو يرى عن حق أن هذا الجدال هو إلى المضاربات الأيديولوجية أقرب منه إلى المناظرات الفكرية، الأمر الذى أسهم فى إنفقار الوعى العربى.
وجزء من جديد بلقزيز فى هذا الكتاب هو التنبيه إلى مغبة إغفال عامل الزمن, أو الاكتفاء بحيز واحد من حيزاته الثلاثة (الماضى والحاضر والمستقبل) والنظر إلى الأشياء داخل هذا الحيز مفصولةً عما قبلها وبعدها. وهو يُنبًَه إلى أهمية الوعى بالأزمنة الثلاثة فى سيولتها وحركيتها من حيث إنها أزمنة متكاملة وليست فقط متعاقبة، وبالتالى لا يِجُب زمنُ ما قبله الأمر الذى يسمح بالاستمرارية. فمن الضرورى التمييز بين الإدراك التاريخى والإدراك البنيوى للزمن.
وربما يحفز هذا المنهج الفلسفى-العلمى الذى يقدمه بلقزيز آخرين للبحث عن أثر إدراك الزمن، وأثر الزمن نفسه، فى الجدال الممتد حول قضية الأصالة والحداثة وكيفية تحوله صراعًا فصدامًا فاستقطابًا انتقل من ساحة الأيديولوجية الضيقة إلى ميادين السياسة الواسعة. فقد باتت المسافة بين الفسطاطين اليوم أبعد بكثير مما كانت حتى أوائل القرن الماضى. وسيكون مفيدًا فى هذا البحث تأمل ما حدث فى زمنٍ كان بناء جسور بين الفسطاطين فيه ممكنًا خلال الربع الأول من القرن العشرين. فقد كان بعض أبرز رموزهما فى تلك الفترة من تلاميذ الإمام محمد عبده والمتأثرين به. كما ربطت الصداقة بين بعضهم مثل أحمد لطفى السيد ومصطفى عبدالرازق. ومع ذلك فشلوا فى وضع حجر الأساس لجسرٍ يربط بين الأصيل المُنير فى تراثنا والوافد الذى قد يفيد فى تحقيق نهضة كثر الكلام عنها وقل العمل الجدى من أجلها طوال ما يقرب من قرنين.