توقيت القاهرة المحلي 17:51:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«طالبان» تهندس المجتمع الأفغاني على صورتها

  مصر اليوم -

«طالبان» تهندس المجتمع الأفغاني على صورتها

بقلم:حسام عيتاني

لن يُلقي أحد قنبلة ذرية على أفغانستان رداً على تحدي وزير التعليم العالي في حكومة «طالبان» محمد نديم المتمسك بحظر الحركة تعليم النساء. الأرجح، أن الأفغانيات سيواجهن وحيدات إصرار النظام في حربه على المجتمع.
عدم الالتزام بالحجاب والمجيء إلى الجامعات من دون محرم، هما الذريعتان اللتان قدمهما محمد نديم لتبرير قرار سلطة الأمر الواقع في كابل. وعلى الرغم من إدانات الهيئات الإسلامية، على غرار شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، القرار واعتباره «لا يمثل الشريعة الإسلامية ويتناقض مع دعوة القرآن الكريم»، فإن الوزير الأفغاني شدد على أن تنظيمه لن يتراجع عن موقفه «حتى لو ألقوا علينا قنبلة ذرية».
وأتبعت «طالبان» منع الفتيات من التعليم الجامعي بحظر عمل النساء في المنظمات الأجنبية غير الحكومية بحجة ورود «احتجاجات على عدم التزام العاملات في المنظمات بقواعد الزي الإسلامي». وحمل القرار هذا ثلاثاً من المنظمات الأجنبية على تعليق عملها، علماً بأن الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه أفغانستان عزز أهمية الدور الذي تؤديه المنظمات غير الحكومية في توزيع الحصص الغذائية والعناية الصحية للفئات المهمشة. يضاف إلى ذلك أن الحركة كانت قد منعت الفتيات من تلقي التعليم الثانوي والاكتفاء بالصفوف الابتدائية.
الغموض المحيط بخلفيات قرارات «طالبان» ينجلي، ولو جزئياً، عند الأخذ في الحسبان ثلاث نقاط؛ الأولى أن الحركة، مثلها مثل كل تنظيم آيديولوجي دينياً كان أم علمانياً، تسعى لما يجب أن يكون عليه المجتمع المثالي - الفاضل - الجديد. وهي بذلك تحذو حذو أحزاب لا تحصى في الشرق والغرب، قررت أن تبني مجتمع بلدها على صورتها ومثالها هي. وفي تصور «طالبان» الاجتماعي الذي لم تحد عنه منذ دخولها كابل للمرة الأولى في 1996، لا مكان للمرأة خارج البيت. وليس مهماً إن نسبت الحركة تصورها هذا إلى تأويلها الخاص للإسلام أم استقته من الأعراف والقيم التقليدية والعشائرية السائدة. بل المهم هو أنه سيُطبق ولو بالقوة إن وجد مقاومة من الأفغان أنفسهم في الدرجة الأولى. عليه، لا مبالغة في القول إن منع تعليم النساء يأتي في سياق عملية هندسة اجتماعية واعية.
النقطة الثانية، هي أن الظرف الذي وصلت فيه «طالبان» إلى الحكم بعد انتصارها في حرب استمرت عشرين عاماً، جعل التنظيم يؤمن بحقه في ممارسة السلطة استناداً إلى نوع من الشرعية الثورية التي حطمت الغزاة الأجانب وحلفاءهم المحليين. عليه، لا ترى «طالبان» أن هناك من يمتلك حق مساءلتها ومحاسبتها، خصوصاً من الأجانب الذين لم يبالوا عندما كانت القرى الأفغانية تتعرض لقصف الطائرات الأميركية، بحسب كلمات أحد مسؤولي الحركة.
وفي الوقت الذي ليس على جدول أعمال «طالبان» الدعوة إلى انتخابات من أي نوع، ولا يهمها كثيراً توسيع قاعدتيها الشعبية والسياسية على ما ظهر من المفاوضات التي أجرتها في الأيام الأخيرة من حكم أشرف غني مع ممثلي القوى الأفغانية الأخرى، فإنها ستمضي في تنفيذ برنامجها ببنوده السياسية والاجتماعية كافة. الدول التي ما زالت تقيم علاقات مع كابل، لا تضع القضايا الأفغانية الداخلية في قائمة أولوياتها ولا تبدي، بالتالي، أي نوع من الحساسية حيال ما يصدر عن الحكومة القائمة.
أما النقطة الثالثة، فهي أن تزايد النشاط المسلح لتنظيم «داعش» الذي يشنّ عمليات وصل بعضها إلى كابل، إضافة إلى تفجيرات وهجمات متفرقة في أنحاء أفغانستان، يجعل «طالبان» في حالة منافسة ومزايدة على إبداء أكبر قدر ممكن من التشدد في ساحة تأويل الأوامر والنواهي الدينية كما يتصورها التنظيمان. من هنا، يمكن فهم سياق الأنباء عن خلافات داخل قيادة «طالبان» بين المتشددين والمعتدلين في شأن الإجراءات المناهضة لتعليم الفتيات. غني عن البيان أن نساء أفغانستان سيُكنّ ضحايا المنافسة تلك؛ إذ إنهن الهدف السهل والضعيف لكل المتطرفين من أي معسكر جاءوا.
المقاومة البطولية التي تبديها نساء أفغانستان المطالبات بحقوقهن البديهية في العمل والعلم، تصدر أساساً من رفض المجتمع الأفغاني تكبيله ومنعه من التكامل وإصلاح نفسه بغض النظر عن شكل الحكم القائم، بعدما أنهكته عقود من الحروب والاحتلالات والدمار. وتحمل النساء اليوم العبء الأكبر في إنقاذ المجتمع وإعادته من غيبوبته المديدة إلى وعي طال انتظاره. وهذه مهمة بالغة الصعوبة بالنظر إلى تاريخ البلاد وسلسلة الكوارث التي تلم بها منذ قرون وعند كل منعطف.
ويبدو أن «الإخفاق» الذي رأى شاعر النيل، حافظ إبراهيم، أن إهمال تربية النساء هو علته في هذا الشرق، سيظل يظهر مُغيّراً كل بضع سنوات اسمه وشكله وألقاب دعاته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«طالبان» تهندس المجتمع الأفغاني على صورتها «طالبان» تهندس المجتمع الأفغاني على صورتها



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt