توقيت القاهرة المحلي 03:33:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

طائرة مسيَّرة في دبي

  مصر اليوم -

طائرة مسيَّرة في دبي

بقلم - سليمان جودة

لا يكاد المتابع للحرب الروسية على أوكرانيا يصدق، أن روسيا عاجزة على إحداث اختراق مهم في الجبهة الأوكرانية، وأن كل ما أحدثته من اختراق لا يتجاوز المناطق الأربع التي ضمتها إلى الأراضي الروسية. وحتى هذه المناطق الأربع، ليست اختراقاً بمقاييس الاختراقات التي نعرفها بين الدول؛ لأن الضم جرى في صورة استفتاء بين سكان المناطق الأربع، ليظهر الاستفتاء ومن بعده الضم، على أنهما عن اختيار لا عن إجبار.
وفي الغالب لن تهنأ موسكو بالمناطق المنضمة إليها، لا لشيء، إلا لأن العالم سيظل لا يعترف بعملية الضم نفسها، مهما كانت طبيعة الاستفتاءات التي نظمتها روسيا بين سكان هذه المناطق.ولأن روسيا أكبر دولة من حيث المساحة في العالم، ولأن مساحتها ضعف مساحة الولايات المتحدة، فالمسألة بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليست بحثاً عن مساحة مضافة إلى دولة تضيق أرضها بها؛ إذ ما أكثر مساحات الأرض بغير حدود لدى الروس، ولكن المسألة هي في تلك الفكرة الإمبراطورية التي يبدو أنها تسيطر عليه.
ولكن الجديد حقاً أن يقال إن الضربات العنيفة التي وجهتها روسيا إلى العاصمة الأوكرانية كييف في مرحلة ما بعد ضرب جسر القرم، كانت تستعين بطائرات مسيَّرة إيرانية، وإن إيران أمدت الروس بعدد كبير من هذه الطائرات في صيف هذه السنة.
وهذه الطائرات هي نفسها التي استخدمها الحوثيون من قبل في استهداف مناطق في المملكة العربية السعودية، وهي أيضاً التي استخدموها في وقت سابق في استهداف مناطق في العاصمة الإماراتية أبوظبي على مرأى من العالم.
إنني أذكر أن الطائرات المسيَّرة باعتبارها وسيلة، كانت قد عُرضت على الحاضرين في إحدى دورات مؤتمر القمة الحكومية، الذي ينعقد منذ فترة سنوياً في دبي، ولكن شتان ما بين الطائرات التي رأيناها على إحدى شاشات المؤتمر، وبين هذه الطائرات الإيرانية التي تحلّق مرة على الجبهة الروسية - الأوكرانية، ومرة تعربد في أرجاء المنطقة العربية القريبة من إيران على الخريطة.
الطائرات التي شاهدها جمهور القمة الحكومية كانت طائرات لأغراض سلمية واضحة، وبطريقة لا لبس فيها ولا غموض، وكانت طائرات تخدم الناس وتقضي مصالحهم، وكانت تجنّبهم الزحام في الطرق العامة، وكانت تصل بالخدمات الحكومية إلى حيث يقيم المواطن في بيته، من دون أن يكون في حاجة إلى الانتقال إلى مكان الخدمة ليحصل عليها.
في إحدى دورات القمة الحكومية تابعنا طائرة مسيَّرة تقلع من مكانها، ثم تتوجه إلى عنوان جرى توجيهها إليه مسبقاً، وفي النهاية كانت تهبط في حديقة بيت فيتقدم منها صاحبه ويفتح صندوقاً فيها، ومنه يتسلم رسالة جاءته إلى بيته حيث يسكن ويقيم، بغير أن يكون في حاجة إلى أن يغادر مكانه إلى حيث يحصل على الرسالة التي تسلمها.
وكانت الطائرة تعود فتقلع من حديقة البيت وفق نظام «جي بي إس» الذي تعمل على أساسه، وكانت ترجع إلى حيث أتت، وكان جمهور القمة يتابع هذا كله على الشاشة أمامه منذ وقت مبكر، ولم يكن موضوع هذه الطائرات قد ذاع ولا انتشر ولا اشتهر بين الناس كما هو الحال هذه الأيام. والذين تابعوا ذلك في أروقة المؤتمر، لا بد أنه قد أدهشهم الأمر إلى حدود بعيدة؛ لأن الحديث عن مثل هذه الطائرات وقتها كان في بدايات ظهورها، ولم يكن كثيرون قد سمعوا بها بعد.
ولم تكن القصة في أننا كنا في المؤتمر أمام طائرات من نوع جديد نسمع عنه للمرة الأولى، ولكن القصة كانت في أن دبي فكرت في الطريقة التي تستطيع بها تسخير المسيَّرات لقضاء مصالح الناس، وتيسير حياتهم، وتخفيف المعاناة التي قد يجدونها في الحصول على الخدمات العامة، والتي لا تستطيع جهة سوى الحكومة تقديمها بكفاءة للمواطنين.
ولا بد أن هذا هو الفارق بين استخدام الطائرة المسيَّرة على الشاطئ الغربي للخليج العربي في الإمارات، وبين استخدامها هي نفسها على الشاطئ الشرقي للخليج ذاته في إيران، وما أبعده من فارق بين استخدامين للأداة نفسها على الشاطئين.
وهو في الحقيقة ليس فارقاً بين شاطئ وشاطئ، ولكنه فارق بين طريقة في التفكير هنا في مؤتمر دبي، وبين طريقة أخرى للتفكير هناك في طهران، فالأولى تفكر في الطريقة التي يمكن بها لكل اكتشاف أو اختراع جديد أن يسعد به الناس سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، والثانية تفكر في الطريقة التي تستخدمه هو ذاته في التخريب، وفي القتل، وفي التدمير. وهو أيضاً فارق بين دولة تتصرف بمنطق الحكومة المسؤولة على الشاطئ الغربي للخليج، وبين نظام حكم على الشاطئ الشرقي لا يريد أن يفارق منطق الثورة التي عرفها في 1979، ولا يريد أن يفهم أن تلك الثورة التي عرفها قبل عقود من الزمان، إذا كانت قد بلغت الأربعين قبل ثلاث سنوات، فإن هذه كانت فرصة سانحة تغادر فيها لغة الثورة إلى منطق الدولة، لولا أن ما نراه حولنا يقول إنها كانت فرصة ضائعة.
والروس يعرفون أن حكومة المرشد تمدهم بالطائرات المسيَّرة ليس حباً فيهم، ولكن كرهاً في الولايات المتحدة التي تقف هي والغرب إلى جوار أوكرانيا.
والفكرة ليست في الجهة التي تمدها إيران بالطائرات المسيَّرة، سواء كانت هذه الجهة جماعة خارجة على الحكومة الشرعية في صنعاء مثل الجماعة الحوثية، أو كانت دولة كبيرة مثل روسيا، ولكن الفكرة هي في الهدف الذي من أجله يتم مد هذا الطرف أو ذاك بمثل هذه الطائرات.
الفكرة هي شكل ومضمون الدور الذي تراه الحكومة الخامئنية لنفسها من موقعها، سواء كان هذا الدور في حياة مواطنيها، كما نراه ونتابعه في الانتفاضة التي اشتعلت بعد مقتل الشابة مهسا أميني، أو كان دوراً في إقليم يحيط بها من حولها.
وليست الطائرات المسيَّرة سوى نموذج من بين نماذج، إذا ما كان الحديث حديثاً عن سلوك إيراني إقليمي مخرب في المنطقة، وليست المقارنة بين استخدام هذه الطائرات على جانبي الخليج سوى عملية كاشفة بين عقلين سياسيين حاكمين؛ عقل يرى نفسه طرفاً في عملية بناء للإنسان على الشاطئ الغربي من الخليج، وعقل على الشاطئ الآخر يرى نفسه على النقيض، ولا يرى حرجاً في أن يمارس على الأرض بعكس ما يقول للناس.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طائرة مسيَّرة في دبي طائرة مسيَّرة في دبي



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 02:29 2026 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

حساب البيت الأبيض على فيسبوك يشكر ترامب
  مصر اليوم - حساب البيت الأبيض على فيسبوك يشكر ترامب

GMT 23:16 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

نتنياهو يؤكد قرب سقوط النظام في إيران
  مصر اليوم - نتنياهو يؤكد قرب سقوط النظام في إيران

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt