توقيت القاهرة المحلي 02:18:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رائحة جمال البنا

  مصر اليوم -

رائحة جمال البنا

سليمان جودة
كان الشاعر القديم يقول - ما معناه - إن المرء إذا تجاوز الثمانين من عمره فإنه يسأم الحياة، ويمل منها، ولا أحد يعرف لماذا كانت الثمانين، تحديداً، هى حد السأم والملل عنده، ولم تكن التسعين - مثلاً - أو حتى السبعين، ولكن هذا ما قال به على كل حال! ولأمر ما تذكرت ما كان قد قال به شاعرنا، حين قرأت أمس خبر رحيل المفكر جمال البنا، الشقيق الأصغر لحسن البنا، الذى كان قد أسس جماعة الإخوان عام 1928. رحل «البنا الصغير» - إذا جاز التعبير - عن 93 عاماً، وبمقاييس الشاعر إياه، فإن المفترض أن يكون الراحل الكبير قد ملّ الدنيا، منذ 13 عاماً، وأن يكون قد عاش هذه الأعوام الزيادة بيننا، وهو يتمنى الرحيل، وينتظره، غير أن واقع الحال يقول إنه لم يكن إلى آخر لحظة فى حياته، يسمح لشعور الملل أو السأم أن يتسرب إلى حياته، وكان إلى آخر نفس، يعمل بكل طاقته، على أن يكون للعقل مكان فى حياة الناس، وهو هدف لم يكن يغيب عن عينيه دقيقة واحدة، وإذا لم يكن قد تحقق هدفه فى وجوده، فى دنيانا، فسوف يأذن له الله بأن يتحقق كاملاً، ذات يوم، حين يأتى جيل آخر يقرأ. ولسبب لا أعرفه، كنت أجد علاقة من نوع ما بين جمال البنا والإمام أبى حنيفة، الذى كان أول الأئمة الأربعة الكبار، مجيئاً إلى الدنيا، وأولهم أيضاً رحيلاً عنها، وقد كنت أبحث طول الوقت عن الشىء الذى يجعلنى أربط بين الاثنين فى سياق واحد، فلا أكاد أجد! وربما - أقول ربما - يكون إيمان أبى حنيفة المطلق بمبدأ «القياس» فى الفكر الإسلامى هو الذى ربطهما معاً عندى، لأن هذا المبدأ لم يكن يعنى شيئاً، سوى الحرص على استخدام العقل، وتقديمه على كل ما سواه، وكان أبوحنيفة يقول بأن القياس عنده يعنى، أول ما يعنى، قياس «شىء مسكوت عنه» على آخر «منطوق به»! ولابد أن عملية من هذا النوع، حين تتم، فى أيام أول الأئمة الأربعة، أو فى أيامنا هذه، فإنها تفسح المجال الأوسع للعقل، بحيث يكون هو الحاكم لأمور الدين والدنيا معاً، ويكون هو السيد، ولا سيد غيره! وعندما كان الراحل الكريم يثير الجدل مراراً بسبب آراء له كان يبديها، فإننى كنت أحس بأنه لم يكن يقصد هذه الآراء المثيرة للجدل، فى حد ذاتها، بقدر ما كان يريد تحريك العقل فى رؤوسنا، فيكون للحياة معنى، وطعم، وهدف، وغاية، بدلاً من هذا الموات الذى تلحظه فى كل اتجاه تتلفت إليه! وإذا كان الإمام الراحل محمد عبده قد أحدث شيئاً مماثلاً، فى بدايات القرن الماضى، قبل أن يرحل عام 1905، حين كان يقول بأن العقل إذا تصادم مع النص فإن الأسبقية تكون للعقل، لأن الله تعالى أنزل نصوصه لتخاطب العقل فينا، فإن «البنا»، من جانبه، كان فى بدايات القرن الحالى، وما قبل ذلك، يحاول قدر إمكانه إحياء قيم الإمام محمد عبده، بين المصريين خصوصاً، والمسلمين عموماً، وكان يجد مقاومة كبيرة فيما يفعله، ولم يكن فيما يبدو يأبه لها، ولا يهتم، مؤمناً عن يقين بأنه لن يبقى فى نهاية الأمر إلا ما ينفع خلق الله من البشر، ولن يصح، فى غاية المطاف، إلا الصحيح. وحين تعرف أن آخر الأئمة الأربعة، الإمام أحمد بن حنبل، قد غادر الدنيا عام 241 هجرية، وأننا الآن فى عام 1434، تكتشف أننا عشنا ما يقرب من 1200 عام بلا إمام حقيقى، يعظم من مكانة العقل فينا، ويأخذه من رؤوسنا، ليجعله حياً يتحرك على الأرض، عشنا قروناً بلا إمام من هذا الصنف، اللهم إلا محاولة عابرة من محمد عبده، هنا، أو من سيد قطب، هناك، رغم أن الأخير كان وهو يجتهد، إنما يفعل ذلك ليدين الناس فى الغالب، بدلاً من أن يضىء لهم طريقاً، أو يفتح لهم سبيلاً! وسوف يأتى يوم يذكر فيه كثيرون للدكتور أحمد بهجت، صاحب قنوات دريم، أنه كان صاحب فضل، حين أتاح على قنواته مساحة واسعة للرجل، ليخاطب مواطنينا بما يجب أن يخاطبهم به رجل مثله، وليس بما يحب أغلبنا أن يسمع ويرى، ولابد أن هناك فارقاً هائلاً بالطبع بين ما يجب أن تسمعه، كمواطن، عن شأن العقل فى ديننا السمح، وبين ما تحب أن تسمع! وبمثل ما تكفلت «دريم» بالكلمة المرئية، من فم الرجل، بمثل ما كانت «المصرى اليوم» تتكفل بالكلمة المكتوبة، تخرج من بين أصابعه، فى كل أسبوع، وسوف تتم هذه الصحيفة جميلها، لو أنها داومت على تقديم كتاباته للقراء أسبوعياً، وفى موعدها الثابت، فهى كتابات باقية، وفضلاً عن ذلك فإنها سوف تدوم طازجة! عاش محمد عبده، مجدداً، وناشراً لرائحة الأئمة الأربعة العظام، بين المصريين فى بدايات قرن مضى، وقد كانت حياة جمال البنا بمثابة إعادة بث لتلك الرائحة بيننا، وسوف تتكفل كتاباته بإكمال المهمة، إلى أن يعوضنا الله عنه فيبعث فينا رجلاً آخر، يجدد لنا أمور ديننا نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رائحة جمال البنا رائحة جمال البنا



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt