توقيت القاهرة المحلي 17:40:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الذين ذاقوا في اليابان... فَعرَفوا

  مصر اليوم -

الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا

بقلم: سليمان جودة

كان الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) هو الذي أطلق عبارته الشهيرة التي تقول إن «مَنْ ذاق عرف». كان قد أطلقها تعبيراً عن علاقة من نوع خاص بين الإنسان وبين الرب، إلا أنها يمكن أن تؤخذ على محامل أخرى سوى هذا المحمل.

من معاني العبارة أنه لا يعرف البحر –مثلاً- إلا الذي نزل فيه، أو الذي غاص في الماء بين الشاطئين، فعرف ما لا يعرفه الذين هُم على الشاطئ. وهذا مثال يمكن القياس عليه فيما سواه.

وليس من الضروري أن يكون الذي ذاق ليعرف قد ذاق شيئاً حلواً، وإنما يستوي أن يذوق الحلو أو أن يذوق المُر، ففي الحالتين سوف يعرف في النهاية ما لم يعرفه الذين لم يذوقوا ولم يعرفوا بالتالي.

أما الذي ذاقته جماعة «نيهون هيدانكيو» في اليابان، فلم يحدث أن ذاقته جماعة غيرها في أركان الأرض الأربعة، وإلا، فهل هناك جماعة سواها في أي أرض ذاقت ويلات السلاح النووي، فعرفت ما لم تعرفه جماعة أخرى بين الجماعات؟

الجماعة اليابانية تضم الناجين من المحرقة التي أطلقتها قنبلتان ذريتان ألقتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما ثم ناغازاكي اليابانيتين بالتوالي. كان ذلك في السادس من أغسطس (آب) 1945 مع المدينة الأولى، ومن بعدها بثلاثة أيام كانت المدينة الثانية على موعد مع قنبلتها، وكانت الحصيلة نحو مائتي ألف قتيل في المدينتين، وهناك إحصاءات تضيف 50 ألفاً آخرين، ليصبح الإجمالي في حدود ربع مليون قتيل في ضربتين!

وبخلاف ربع المليون قتيل، هناك يابانيون أصيبوا بإشعاعات القنبلتين فعاشوا مشوهين إلى أن ماتوا، وهناك آخرون عاشوا بعاهات نفسية وجسدية لازمتهم مدى الحياة، وفريق ثالث مات من الرعب وهو على قيد الحياة، وفريق رابع نجا لأنه كان خارج المدينتين وقت أن غطتهما سحابة القنبلتين، فخنقت فيهما كل كائن حي، أو نجا وقد أصابه ضرر لم يقتله ولكن بقي الضرر بأثره يرافقه!

هذا الفريق الأخير هو الذي أطلق ذات يوم جماعة «نيهون هيدانكيو» فاستحقت «جائزة نوبل للسلام» في السنة قبل الماضية، ولم يكن أمام لجنة هذه الجائزة الرفيعة إلا أن تذهب بها إلى أعضاء الجماعة اليابانية. فليس بين أعضائها واحد إلا وأثَّر إشعاع القنبلتين على جسده، أو في نفسه، أو في خياله لا يفارقه. صحيح أنهم جميعاً تجاوزوا الثمانين، ومنهم مَنْ تعدَّى التسعين، ولكن يجمع بينهم أنهم عاشوا ما لم تقع عليه عين خارج اليابان. ولأنهم كذلك، فإنهم الجهة الوحيدة التي انزعجت من الإعلان عن انتهاء اتفاقية «نيو ستارت» النووية الموقَّعة في 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا.

كان أعضاء هذه الجماعة هُم الذين لم يناموا الليل حين قرأوا الخبر، ولم يكن ذلك إلا لأن انتهاء العمل بالاتفاقية يعني ألا قيود الآن على استخدام السلاح النووي من جانب الدولتين على الأقل، وأن في مقدور روسيا أو الولايات المتحدة أو حتى أي دولة نووية سواهما، أن تستخدم ما عندها من هذا السلاح كما تحب؛ لأن الاتفاقية التي كانت تضع قيوداً على ذلك قد انتهى العمل بها!

انتهى العمل باتفاقية «نيو ستارت» في الخامس من الشهر الحالي، وجرى الإعلان عن ذلك، وقال الروس إنهم سوف يسترشدون بمصالحهم في استخدام سلاحهم النووي، ودعا الرئيس ترمب إلى اتفاقية جديدة تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين معاً. ولكن هذه كلها تفاصيل في الشكل لم تتكشف عن شيء. أما الموضوع لا الشكل فهو أن أعضاء الجماعة اليابانية قد باتوا يومها يقتلهم الخوف. باتوا في خوف بالنيابة عن العالم، وقضوا لياليهم منذ انتهاء العمل بالاتفاقية وهُم في حالة من الذعر، وخرج بعضهم يعقد مؤتمراً صحافياً يحذر فيه من أن العالم يمكن أن يذهب إلى مصير المدينتين إذا أفلت فيه زر نووي طائش!

تظل جماعة «نيهون هيدانكيو» جماعة فريدة حقاً، فليس من بين أعضائها أحد دون الحادية والثمانين؛ لأن الأعضاء جميعهم عاشوا مأساة المدينتين، ولو أن أحداً منهم كان في عُمر سنة يوم ضُربت هيروشيما وناغازاكي، فهو اليوم فوق الثمانين بسنة. من بينهم –مثلاً- تيرومي تاناكا الذي تجاوز التسعين بثلاث سنوات، وعندما تكلم في مؤتمر صحافي دعت له الجماعة في طوكيو، أبدى مخاوفه من انزلاق العالم نحو حرب نووية. ومما قاله تاناكا عن إحساسه إن انزلاقاً كهذا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، وقال إن مواطني الدول النووية لا يهتمون بما يمكن أن يحدث لمجرد شعورهم بأنهم ينتمون إلى دول قوية، وهذا -في ظنه- محض خداع للنفس؛ لأن انزلاق العالم إلى أي مواجهة نووية يمكن أن يذهب بالجميع إلى دمار مؤكد.

العضوية في الجماعة اليابانية مغلقة بطبيعتها؛ لأن الذين نجوا من محرقة المدينتين اليابانيتين معدودون مهما كان عددهم، ولأنهم جميعاً أعضاء فيها، ولكن المشكلة أن ذهاب العالم إلى أي استخدام للسلاح النووي بعد انقضاء أمد «نيو ستارت» يمكن أن يفتح العضوية في الجماعة بغير سقف، فالناجون وقتها سيكونون على امتداد العالم لا في اليابان وحدها!

الناجي الياباني تيرومي تاناكا لا ينسى ما رآه عندما كان في الثانية عشرة من عُمره، وهو مع رفاقه في جماعتهم ذاقوا ما لم يمر به سواهم، ولذلك عرفوا، ومنتهى أملهم أن يبقوا هُم الناجين الوحيدين، وألا يُضاف إليهم ناجون آخرون في أي استخدام نووي جديد في أي مواجهة.

ذاقت جماعة «نيهون هيدانكيو» فعرفت، وليس مطلوباً من العالم أن يذوق من جديد ليعرف، فما ذاقته هذه الجماعة يكفي عالمنا ويفيض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا



GMT 14:01 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

GMT 13:58 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 13:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 12:34 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 12:25 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لا يمكن لإيران أن تكونَ ضد العالم

GMT 12:23 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 12:20 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 12:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt