توقيت القاهرة المحلي 17:52:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه

  مصر اليوم -

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه

بقلم: سليمان جودة

خرجت بريطانيا من منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تترك فراغاً وراءها؛ لأن الولايات المتحدة الأميركية كانت جاهزة فتقدمت تملأ الفراغ، ولم يكن موقف الرئيس الأميركي أيزنهاور في أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 سوى خطوة في هذا الاتجاه.

لم يكن موقفه المعلن ضد عدوان بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل، حباً في عيون المحروسة بالتأكيد، ولكن الموقف كان يؤسس لإخراج البريطانيين والفرنسيين من الشباك، إذا صح أن خروجهم كان هكذا، لتدخل «بلاد العم سام» من أوسع باب إلى المنطقة من بعدهم، ثم لتبقى إلى الساعة ترث عنهم ما خلَّفوه وراءهم في مناطق النفوذ السياسي بالذات.

ولكن فرنسا راحت من بعدها تخط لنفسها خطاً، أن لها من التاريخ، ومن الثقافة، ومن الفكر، ما يعزز استقلالية سياستها الدولية، فلا تكون تابعة للولايات المتحدة، ولا تقتفي أثرها في أي طريق، اللهم إلا إذا جاء اقتفاء الأثر عن اقتناع بأن السبيل الذي يسلكه الأميركيون هو السبيل الصحيح. وأن الفرنسيين يمشون فيه لأنه صحيح، لا لأنه أميركي، ولا لأن أميركا تريد منهم المشي فيه وراءها.

شيء من ذلك مضت عليه السياسة الفرنسية، من أيام الجنرال شارل ديغول إلى إيمانويل ماكرون، ومروراً بمن جاء بينهما من الرؤساء الذين تعاقبوا على الجمهورية الخامسة. كانت هناك درجات متفاوتة في الاستقلالية، ولكنها كانت موجودة طول الوقت، ولم يكن بين هؤلاء الرؤساء مَنْ هو أشد من ديغول في التأسيس للاستقلالية وفي الحفاظ عليها، ولكن الذين جاءوا من بعده عرفوا ما أسس له، ثم مارسوه بدافع وطني فرنسي خالص.

وعندما جاء الرئيس ماكرون إلى قصر الإليزيه، وضعت مجلة «تايم» الأميركية صورته على غلافها، وكتبت تحتها هذه العبارة: «الرجل القادم في أوروبا».

وكان المعنى أنه سيقود أوروبا؛ لا فرنسا وحدها، ولكن لأن مجيئه تصادف مع وجود المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في دار المستشارية، ولأن القيادة كانت معقودة لها نظرياً على الأقل، أو عملياً أيضاً ولكن في مساحة مرسومة، فإن قيادته تأجلت إلى حين تغادر هي دار المستشارية. فلما غادرت راح يحاول متصوراً أن هذا وقته ووقت بلاده. ولكن ليس كل ما يسعى إليه المرء يدركه، ولا فرق بين أن يكون الساعي واحداً من آحاد الناس وراء مسألة شخصية في نطاقه، أو أن يكون الساعي هو الرجل الجالس على مقعد الجنرال ديغول في عاصمة النور.

أما بريطانيا، فلقد بقيت أقرب دول القارة الأوروبية إلى الولايات المتحدة. وكنت تستطيع أن تستشف الموقف البريطاني تجاه أي قضية دولية إذا عرفت الموقف الأميركي. ولم يكن الإنجليز يجدون حرجاً في هذا. كانوا يتطلعون إلى تطابقهم سياسياً مع واشنطن، بوصفه درجة من الشراكة البريطانية- الأميركية في التعامل مع العالم ومع قضاياه، ولم تكن المسألة شراكة طبعاً بالمعنى المفهوم؛ لأن الشراكة في حالة كهذه تقتضي وجود شريكين بنصيب معلوم لكليهما، لا أن يقود طرف ويتبعه الطرف الثاني، ثم يقال إنها شراكة بينهما، أو كالشراكة.

وإذا شئت قلت إن تحالفهما كان الأقوى بين دولتين على خريطة العالم، ولم يكن هذا سراً، ولكنه كان يجد تعبيراً عنه في كل مناسبة، وكان لسان حال بريطانيا وهي تعمل داخل تحالفهما، أنها إذا كان فاتها أن تبقى كما كانت في منطقة الشرق الأوسط، فليس أقل من أن تكون موجودة على طريقة أرسطو الذي كان يفرِّق بين وجود نظري للشيء بالقوة، وبين وجود عملي بالفعل، فوجود الإنجليز بالمعنى الثاني قد عز عليهم بعد حرب السويس وانقضت أيامه.

وقد مضى التحالف بين بريطانيا والولايات المتحدة في تياره المتدفق، إلى أن جاء الرئيس دونالد ترمب في رئاسته الثانية، فاتخذ موقفه المتخاذل تجاه أوروبا، ولم يفرق بين حليف وغير حليف في القارة، ولم يتصرف على أساس أن دول أوروبا كلها شيء بالنسبة لبلاده، وأن بريطانيا شيء آخر، وأن هذا ما عاش عليه أسلافه بدءاً من أيزنهاور إلى أن صارت الأمور إليه في ولايته الثانية.

لم يفرق ولم يفرز ولم يميز، وتعامل مع الإنجليز بمثل ما تعامل مع سواهم من الأوروبيين. وفوجئ الأوروبيون -بمن فيهم الإنجليز- بذلك، فلم تملك عواصم القارة سوى أن تدبر أمرها، وسمعنا عن «أم الصفقات التجارية» بينها وبين الهند، وعن صفقة أخرى مع تجمع «ميركوسور» في أميركا الجنوبية، ووجد رئيس الحكومة البريطانية أنه مدفوع إلى زيارة للصين، هي الأولى لرئيس وزراء بريطاني من 8 سنوات!

ولكن الرئيس ترمب لم يؤلمه إلا موقف بريطانيا بالذات، فتوقَّف أمام تقاربها مع الصين ورآه «خطيراً جداً»، ولو شاء لكان قد انتبه إلى أن ذهاب لندن إلى بكين لم يكن أمراً تستطيع أن تختار فيه.

كانت السُّبل قد تفرقت بين أوروبا وبريطانيا منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن الأفكار التي جاءت بها إدارة ترمب الثانية ربما تدفعها إلى إعادة التفكير في عواقب الابتعاد عن القارة. سوف تنتبه إلى أن الارتكان على التحالف القديم مع الأميركيين نوع من النوم على وسادة من خيش، بينما الظن كان أنها وسادة من حرير.

بقي المحيط الأطلسي جسراً يصل بريطانيا على شاطئه الشرقي، بالولايات المتحدة على شاطئه الغربي، ولكن أفكار الإدارة الترمبية الثانية بددت هذه الحقيقة بما يكفي، واستيقظت عاصمة الضباب على محيط يفصل ولا يكاد يصل بين الشاطئين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه



GMT 10:23 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

GMT 10:22 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

نعمة الإطفاء

GMT 10:20 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

موضع وموضوع: الرَّي والدة طهران

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

العالم في «كولوسيوم» روماني

GMT 10:18 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

فرصة إيران في النهوض الاقتصادي

GMT 10:16 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

GMT 10:15 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt