توقيت القاهرة المحلي 06:33:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«نوبل للسلام» يقين وليست وساماً

  مصر اليوم -

«نوبل للسلام» يقين وليست وساماً

بقلم: سليمان جودة

بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يبرر تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وكأنه يخاطب جهة بعينها، لعلها تستقبل قرار تغيير الاسم كما يريدها هو أن تستقبله.

بدا كذلك وهو يقول إن تغيير الاسم وراءه رغبة من جانبه في فرض السلام من خلال القوة. هكذا قال، وهكذا أذاعت عنه وكالات الأنباء، ولا بد من أن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن سلام يتم فرضه بالقوة! فمن قبل عرفنا أن السلام في حاجة إلى قوة تحميه، وكان هذا الكلام ينطوي على منطق ويحمل وجهة نظر رشيدة.

وكان مرجع المنطق فيه أن دولتين إذا اتفقتا على سلام بينهما، فإن السلام لا يستمر ولا يدوم في حالة كهذه، إلا إذا أحست كل دولة منهما بأن الأخرى قوية، وبالتالي لا تفكر كلتاهما في خرق السلام القائم. فإذا شعرت إحداهما بأن الأخرى ضعيفة، فإنها لا تتردد في مهاجمتها، وعندها ينهار ما بين الطرفين من سلام، ولهذا قيل عن حق إن السلام في حاجة إلى قوة تحرسه وتحميه.

ولكن أن يتم فرض السلام بالقوة -على حد تعبير ساكن البيت الأبيض- فهذا كلام لا يسنده منطق، ولا يقوم على أساس من عقل، اللهم إلا إذا كان الرئيس ترمب يخاطب به اللجنة المعنية بمنح «جائزة نوبل للسلام» في مقرها بالنرويج.

يخاطبها بعينها، ويتمنى لو فاز بالجائزة التي سيتم الإعلان عنها الشهر المقبل، ولكن يبدو أن الشهر المقبل نفسه سيكون شاهداً على أن الرجل الذي يقيم في البيت الأبيض أراد الجائزة بغير أن يريد السلام، أو حتى يسعى إليه بالقدر الواجب من الجدية.

لا شك في أن لجنة الجائزة لم تكن لتبخل بجائزتها على ترمب، لو أنها وجدت فيه ما يدعو إلى أن يحملها، كما حملها الذين سبقوه في قائمة الفائزين. صحيح أن هذه الجائزة بالذات تشهد تسييساً في منحها منذ فترة، وصحيح أنها قد ذهبت مرات إلى الذين سعوا إلى عكس السلام، وصحيح أن أمامنا الأسماء التي تدل على ذلك وتشهد به، ولكن أن يغير رئيس أقوى دولة في العالم اسم وزارة دفاعه إلى وزارة الحرب، ثم يستمر سعيه إلى الجائزة، ويتواصل حلمه بها، فهذا هو الجديد الذي لا ينطلي على أحد، وهذا هو الذي سيدمغ الجائزة بما هي في غنى عنه بالتأكيد، إذا انطلى على لجنتها ما يقوله ويكرره.

ولا بد من أن اللجنة تجد نفسها في حرج شديد وهي تمنح جائزتها هذه السنة. ولا بد من أن حرجها يرجع إلى شيئين أساسيين: أولهما أن ترمب لا يجد مناسبة منذ دخل مكتبه بداية العام، إلا ويجدد الحديث عن إنه راغب في «نوبل للسلام». والسبب الثاني أن الجائزة تخضع لضغوط بالتأكيد في هذا الاتجاه، والغالب أنها ضغوط فوق طاقتها، وأنها لا تعرف كيف تقاومها، ولا كيف تخرج بوجهها على الناس إذا هي خضعت للضغوط ومنحته الجائزة.

ماذا تقول للناس على امتداد العالم، إذا كان الرجل الذي يتهالك على «نوبل للسلام» لم يقدم أمارة حقيقية على أنه رجل سلام بجِد؟ هل يمكن للويلات التي يعيشها المدنيون في قطاع غزة أن تكون أمارة في هذا المقام؟

إن العالم كله يعرف أن رجلاً واحداً على ظهر الأرض كان في مقدوره وقف الحرب منذ لحظته الأولى في السلطة، ويعرف العالم أن هذا الرجل هو ترمب المتهالك على «نوبل للسلام»، ويعرف العالم أن هذا الرجل لم يشأ أن يكتفي بألا يسعى إلى وقف المقتلة الدائرة في القطاع منذ ما يقرب من السنتين، ولكنه كان في أوقات كثيرة يبدو بما يقوله أو يفعله أنه مشارك فيما يجري، وإذا لم يكن مشاركاً فهو -على الأقل- متواطئ.

والعالم يعرف أن هذا الرجل نفسه كان في إمكانه أن يوقف الحرب الروسية- الأوكرانية التي وعد بوقفها وقت كان مرشحاً في السباق إلى البيت الأبيض، ولكنه انحاز منذ يومه الأول في الحكم إلى الطرف الروسي، وكان يصور الأمر على أن انحيازه طريق إلى الحل، ولكن العكس هو الذي حصل ويحصل، وأصبحت الحرب مرشحة للاشتعال أكثر، وراح الروس يستهدفون الأوكرانيين كما لم يستهدفوهم منذ اشتعال القتال بينهم في 24 فبراير (شباط) 2022.

وفي السودان، استهدفت إدارة ترمب الجيش السوداني بعقوبات، فلم يعد لحديثها عن وقف الحرب معنى، وبدت بعقوباتها وكأنها تضعف من موقف الجيش أمام «قوات الدعم السريع» التي تقاتله، وصارت كل كلمة لهذه الإدارة عن جهدها لوقف القتال وكأنها نكتة.

ومن أرض فلسطين، إلى روسيا وأوكرانيا، إلى السودان، يظهر العمل من جانب ترمب على وقف حروب الجبهات الثلاث بلا رصيد على الأرض. ولا يعرف المرء كيف تكون الحال كذلك، ثم يجد الرجل من الجرأة ما يجعله يطلب «جائزة نوبل للسلام» ويتمسك بالحصول عليها؟

«نوبل للسلام» يقين يعيش في وجدان صاحبه، كما عاش في وجدان السادات إلى أن حققه، وليس وساماً يوضع على الصدر، ولا أمنيات تتغذى على الأحلام، وربما الأوهام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«نوبل للسلام» يقين وليست وساماً «نوبل للسلام» يقين وليست وساماً



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt