توقيت القاهرة المحلي 11:05:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها

  مصر اليوم -

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها

بقلم : سليمان جودة

قد يستوقفك في استقالة السير كير ستارمر من رئاسة الحكومة البريطانية، أنها جاءت بمثابة النتيجة التي قامت على مقدمات لها، وأنها لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت لافتة حين بدا على صاحبها التأثر إلى حد البكاء وهو يعلنها.

ولكن هذه ليست الزاوية الأهم في الموضوع، ولا هي ما استوقفني أنا على الأقل؛ لأن البوادر كانت تقول إن الاستقالة سوف تأتي، وسوف تكون من نوع تحصيل الحاصل، إذا ما قسناها على ما سبقها من أحداث، ومن تطورات، ومن أجراس إنذار.

وقد يستوقفك فيها أنها علامة لا تخطئها العين على درجة عالية من الإحساس بالمسؤولية لدى ستارمر. فلقد كان في مقدوره أن يتمهل في استقالته أو أن يتلكأ، وكان في إمكانه أن يتمسك بمنصبه حتى اللحظة الأخيرة، وحتى يجد نفسه مضطراً إلى أن يغادره، فكثيرون فعلوا هذا قبله، وكثيرون سوف يفعلونه، ولا ملام عليهم في الحالتين.

ومع ذلك، فهذه ليست أيضاً الزاوية الأهم في القصة التي تابعها العالم، عندما ظهر رئيس الحكومة المستقيل أمام مقر الحكومة الشهير في عاصمة الضباب، ثم راح يُلقي كلمته بتأثر واضح في نبرة الصوت، فلما انتهى من إلقاء الكلمة الموجزة، استدار متجهاً إلى حيث كانت زوجته تنتظره فاحتضنها ومضيا معاً.

ليست هذه هي القصة لأن رؤساء الحكومة الستة الذين سبقوه على مدى عشر سنوات تقريباً، غادروا مواقعهم بعد أن استشعروا الإحساس بالمسؤولية نفسه، ومنهم مَنْ لم يستمر في المنصب أكثر من شهرين مثل ليز تراس، أو بقي فيه سنة لا أكثر مثل ريشي سوناك، وجميعهم كانوا يغادرون طوعاً من باب الإحساس بالمسؤولية تجاه الحزب والناخب، وكانوا يعرفون أنهم إذا لم يغادروا طوعاً، فسوف يغادرون بقوة القانون التي تتحرك في البلد معصوبة العينين.

أذكر هنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان في نهاية رئاسته الأولى قد راح يعزف نغمة غريبة على استحياء، وكانت النغمة أنه لن يغادر مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، وكان يعود بالأسباب إلى أن السباق الانتخابي بينه وبين المرشح المنافس جو بايدن شابه الكثير من التزوير، وأنه الأحق بالرئاسة لا بايدن الذي جرى الإعلان عن فوزه بالرئاسة.

ردد ترمب هذا المعنى أكثر من مرة، فلما زاد الأمر عن حده همس أحدهم في أُذنه، بأنه إذا لم يغادر في الموعد المحدد سلفاً للرئيس المنتهية ولايته، وإذا لم يُفسح الطريق للمرشح الفائز، فإن القوة المكلفة حراسته ستتولى هي نفسها إخراجه من البيت الأبيض بطريقتها!

شيء من هذا تجده بين السطور في كلمة ستارمر الموجزة، وتجده في ملامح وجهه وفي نبرات صوته، وتجد أنه وهو يلقي الكلمة كان يلقيها ولسان حاله يقول ما معناه، إنه يريد أن يكون الأمر في يده، لا في يد قيادات الحزب، ولا في أعضاء البرلمان، الذين كانوا قد بدأوا في إعداد العُدة، وكانوا قد اتخذوا قراراً بشأنه، وبدأ الإعلام يسربه تارة، ويتكلم فيه صراحةً تارة أخرى.

كل هذه الزوايا المشُار إليها من أول هذه السطور، يمكن أن تستوقفك مجتمعة أو منفردة، ولكنها ليست التي استوقفتني مجتمعة ولا منفردة، وإنما استوقفني أن يقول وهو ينصرف من مقر الحكومة الشهير في 10 داونينغ ستريت إلى بيته، إنه ينوي أن يعمل عملين بالتوازي: أن يكون زوجاً أفضل لامرأته، وأن يكون أباً أفضل لعائلته.

لم أتطلع إلى حديث ستارمر عن دوره أباً ثم زوجاً في المستقبل، على أنه مجرد حنين منه إلى البيت، أو على أنه حتى رغبة في التفرغ لأطفاله (لديه ابن وابنة) وزوجته اللذين لم يحصلوا منه على الاهتمام الواجب طوال رئاسته للحكومة. ولكن تطلعت إلى حديثه على أنه رغبة خفية منه، في لفت الانتباه إلى أن الأسرة المتماسكة هي أساس الدولة القوية، وأن دولة بلا أسرة تنعم بالحد الأدنى من التواصل بين أعضائها هي دولة هشة أمام أي عاصفة طارئة.

ينصرف السير كير ستارمر عن الحكم مهزوماً أمام حزبه، وأعضاء حكومته، وكتلته النيابية، وجمهوره، ومواطنيه، ولكنه ينتصر لفكرة الأسرة وهو ينصرف، ويبدو وكأنه يريد أن يقول إن إشارته إلى دوره في بيته زوجاً، وأباً، هي «رسالة» بأن الدولة القوية تساوي حاصل جمع الأُسر المتماسكة فيها، وإن هذه المعادلة إذا صحت في أي عصر من قبل، فإنها تصح في هذا العصر أكثر.

تصح فيه أكثر لأنه عصر ما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي، بينما الحقيقة التي نراها أمامنا أن هذه الوسائل، لا هي «تواصل» في النسبة الغالبة جداً منها، ولا هي «اجتماعي»، وأن فكرة الأسرة التي تبدو مستهدفة من جانب هذه الوسائل، لم تكن في حاجة إلى أن تتعزز، قدر ما هي في حاجة إلى ذلك في هذا العصر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt