توقيت القاهرة المحلي 11:05:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

  مصر اليوم -

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

بقلم : سليمان جودة

من الأدعية التي يرددها الخطباء على منابر المساجد هذا الدعاء: «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين».

وهو دعاء يؤسس لدرجة من السلبية غير عادية، ويؤسس لنوع من التكاسل غير طبيعي، ونوعية من التخاذل غير معهودة في أي جماعة لديها إرادة. ويبدو الذين يدعون به وكأنهم يستدعون السماء لتقاتل عنهم معاركهم، وتهلك أعداءهم الظالمين، بينما هُم لا يفعلون شيئاً، ولا يبادرون بشيء، ولا يبذلون جهداً في مقاومة الظالمين!

ولو بحثنا عن مثال عملي للعمل بهذا الدعاء هذه الأيام، فلن نجد أفضل مما يردده كثيرون بيننا عما كان بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل منذ نشأتها، وعما لم يعد يقوم بينهما كطرفين عاشا متحالفين.

نقرأ ونسمع عما كان بينهما، وعما هو غير قائم قياساً على ما كان قائماً طول الوقت، فيستدعي عقلنا ذلك الدعاء الذي يردده الخطباء غالباً في خطبة الجمعة، وفي كل خطبة سواها، بينما الجالسون بين أيدي الخطباء في كل مناسبة يقولون: آمين.

نسمع ونقرأ معنى الدعاء في حديث كثيرين بيننا عما كان بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس حكومة التطرف في تل أبيب بنيامين نتنياهو، قبل أن يذهبا إلى إعلان حربهما على إيران آخر فبراير (شباط) الماضي. ثم نسمع ونقرأ معنى الدعاء نفسه في حديثنا عما لم يعد قائماً بينهما هما نفسيهما في مرحلة التفاوض الأميركي - الإيراني، وصولاً إلى الاتفاق الذي جرى الإعلان عنه بين واشنطن وطهران قبل ساعات، والذي من المرتقب أن يجري التوقيع عليه في الغد.

نسمع ونقرأ عن أن علاقة إسرائيل التقليدية بالولايات المتحدة لم يعد لها وجود، وأن ما كان بينهما من قوة في العلاقة ومتانة، لن يكون في قادم الأيام كما كان فيها من قبل، وأنه لا دليل على ذلك أكثر من أن إدارة ترمب قد أبعدت نتنياهو عن تفاوضها مع إيران، وعن اتفاقها معها، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه صرح بعد الإعلان عن الوصول إلى الاتفاق بأنه يجهل ما فيه.

نسمع هذا ونقرأ عن كل ذلك فلا نكاد نستسيغه، ولا تتقبله رؤوسنا، ولا يهضمه عقلنا، والأهم أن ما نسمعه ونقرأ عنه بهذا الشأن يعيدنا بشكل تلقائي إلى الدعاء إياه، ويجعلنا نرى أن العرب الذين عليهم أن يتصدوا للغطرسة الإسرائيلية بأنفسهم، لا يبذلون ما لا بد من بذله في سبيل هذا التصدي، ويجدون في إشارات تراجع العلاقة بين ترمب ونتنياهو ما يعوضهم عن تخاذلهم في القيام بما يتعين أن يقوموا به.

فكأن الرئيس الأميركي وهو يُقصي رئيس الحكومة الإسرائيلية عن الوجود في مرحلة التفاوض مع إيران، ثم في مرحلة الوصول لاتفاق، إنما كان يقاتل معركتنا، ويحارب على جبهتنا نحن العرب، وينتصر لقضيتنا نحن العرب والمسلمين والفلسطينيين!

أو كأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل هي علاقة بين ترمب ونتنياهو وفقط، فإذا مضيا إلى حال سبيلهما حين يأتي أوان انصرافهما، بقيت علاقة البلدين على فتورها الذي نعرفه معهما، وضاع الرصيد الذي تراكم بين واشنطن وتل أبيب على مر السنين!

إن وضع العلاقة في هذا المربع أمر غير صحيح، وغير دقيق، ولا يعدو أن يكون تعاملاً بالأماني، أما التعامل بحقائق الواقع فقضية أخرى لا تحصر العلاقة في مزاج رئيس في البيت الأبيض سوف ينصرف إذا انقضت فترته، أو في هوى رئيس حكومة في تل أبيب تآكلت شعبيته التي تحايل طويلاً في بنائها، وصار يقف عارياً أمام ناخبيه الذين دعاهم للمجيء به في كل سباق انتخابي، وكان يتفنن في خداعهم في كل مرة بشتى الأساليب والألاعيب.

القصة بين واشنطن وتل أبيب محكومة بشيء آخر، وهذا الشيء هو قوة أو ضعف جماعات الضغط اليهودية داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ولا علاقة لها بوجود رئيس مثل ترمب أو رحيله. قد تمر العلاقة ببعض الفتور كما هي في مرحلة التفاوض مع إيران، وكذلك مرحلة الإعلان عن الوصول إلى اتفاق معها، ولكنه فتور بين إدارة ترمبية وحكومة يرأسها نتنياهو، فإذا غادر الاثنان موقعيهما، ولا بد أن يغادرا ذات يوم، فسوف تعود العلاقة إلى الأسس الأولى التي قامت عليها منذ نشأت.

إن ترمب نفسه تعرض للغدر من الصوت اليهودي في سباق 2020 إلى البيت الأبيض، واختارت غالبية اليهود وقتها التصويت للمرشح المنافس جو بايدن، وقد حدث هذا رغم ضخامة ما قدمه ترمب في رئاسته الأولى لإسرائيل، ومع ذلك، فإنه عاد يقدم لها في رئاسته الثانية أكثر مما كان قدم في الأولى، لولا سحابة الصيف العابرة هذه بينه وبين نتنياهو في ما يبدو للمتابعين من بعيد.

سوف تمر هذه السحابة، وإذا دامت فلن تدوم لأبعد من رحيلهما عن المنصب أو رحيل أحدهما، وعندها سوف يأسى الذين راحوا يبتهجون لفتور العلاقة بينهما، وكأن الفتور مقدمة لهلاك الظالمين بالظالمين، ثم خروج المبتهجين من بينهم سالمين!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt