توقيت القاهرة المحلي 17:04:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عين البابا البصيرة

  مصر اليوم -

عين البابا البصيرة

بقلم: سليمان جودة

مما رواه تاريخ الحرب العالمية الثانية عن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، أنه كان إذا قيل له إن البابا في الفاتيكان له رأي في الحرب، وإن رأيه يقول كذا وكذا، أرسل ضحكته في الهواء ثم قال: أخبروني كَمْ دبابة لدى البابا؟

وكان المعنى أن للبابا أن يرى ما يحب، ولكن المشكلة ستظل عنده وعند كل الباباوات الذين سبقوه والذين سيأتون من بعده، أنهم لا يملكون القدرة على تحويل ما يرونه إلى واقع حي بين الناس... فإذا كانوا يملكون العظة، فما أكثرها لدى البابا الجالس على رأس الكنيسة الكاثوليكية، وما أضعفها عن ترجمة ما تريده في حياة الغلابة والمساكين، ولا فرق في ذلك بين أول بابا وآخر بابا.

ليس هذا تقليلاً من شأن موقع البابا، ولكن القصد أن شاغل هذا الموقع الديني الرفيع لا يملك من القوة المادية ما يستطيع بها وقف عذابات الناس في أرجاء الكوكب، وأنه يراقب الحروب التي تطحن المدنيين في كل مكان، ثم يفتش عنده في الفاتيكان عمَّا يمكن أن يسعفه لوقف هذه الحرب أو تلك، فلا يقع على شيء، اللهم إلا نداءاته التي لا تتوقف، وعظاته التي لا تنقطع، ودعواته التي يصل بها الليل والنهار، ثم لا قوة فعلية في يده تجعله يردع أهل الشر والعدوان.

ففي سبيل وقف المقتلة الدائرة في قطاع غزة انقطع صوت البابا فرنسيس الأول، الذي رحل عن دنيانا قبل أيام قليلة، ولكن البابا مات بينما الحرب تجاوزت العام ونصف العام! ولا بد أنه قد مات وفي نفسه شيء من الرغبة الأكيدة في وقفها. ولكن ماذا كان عليه أن يفعل وهو يصادف في طريقه ساسة من النوع الرديء في إسرائيل؟ ساسة من نوع نتنياهو، وبن غفير، وسموتريتش. ساسة يتفاخر أحدهم ويزهو بأنه لن يسمح بدخول رغيف واحد إلى غزة!

وعندما عاد طبيب أميركي إلى بلاده بعد زيارة لغزة ضمن وفد من الأطباء، وكان ذلك بعد أسبوعين من وقف إطلاق النار في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه عاد يقول ما لا يمكن أن يقال شيء بعده. قال: «الوضع هناك لا يختلف عن مدينة هيروشيما اليابانية بعد ضربها بالقنبلة الذرية». قال ذلك في العلن ونشرت مجلة «نيويوركر» كلامه على الملأ، ثم لم يتحرك ضمير في أركان العالم!

ويبدو أن البابا فرنسيس الراحل قد جاء عليه وقت أحس فيه بأن عينه بصيرة ويده قصيرة، فارتدى ثياب كاهن ثم مضى في شوارع روما يوزع المساعدات على الفقراء الذين يلقاهم في سبيله. كان قد فعل هذا في 2013 لتحريض الآخرين على أن يمشوا وراءه في ذات الطريق، ولكن ما قام به بقي من نوع النادرة التي يرويها عنه هذا العالم البائس ويتسلى بها لا أكثر.

لقد عاش البابا فرنسيس داعية خير وسلام في أرجاء المعمورة، وحين زار القاهرة في 2017 لحضور مؤتمر الأزهر العالمي للسلام، فإن حضوره كان ينطوي على رغبة منه في تعزيز مكانة السلام كقيمة بين الشعوب والدول.

وفي الرابع من فبراير (شباط) 2019 زار أبوظبي؛ لتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وعندما خرجت الوثيقة إلى النور في ذلك اليوم كانت تحمل توقيع رأس الأزهر ورأس الكنيسة الكاثوليكية معاً، وكان هذا مما منحها قيمة رفيعة ولا يزال، ولم تكن تلك الوثيقة تدعو إلا إلى أن تسود روح المحبة بين الناس، وألا تُرتهن المحبة من إنسان إلى إنسان بدين، ولا بلون، ولا بلغة، ولا بطائفة، ولا بشيء أبداً، إنها محبة خالصة وفقط، تسامح بين أهل الأرض وكفى، محبة لا غرض وراءها، ومعها تسامح لا هوىً فيه.

وإذا كان البابا فرنسيس قد امتلك حساً إنسانياً عالياً تجاه العالم، وبالذات آحاد وبسطاء الناس، فلا بد أن امتلاك هذا الحس يعود إلى أن الرجل كان أرجنتينياً، أي إنه كان ينتمي إلى أميركا الجنوبية، التي عاشت تتميزاً بهذا الحس في الأدب الذي يكتبه أدباؤها وفي غير الأدب على السواء. لقد عانت الشعوب في بلاد تلك القارة البعيدة معاناةً لا سقف لها في حياتها السياسية والاقتصادية، ولهذا السبب نشأت تفرز ما عاشته من معاناة، كلما وجدت الفرصة سانحة على لسان الباباوات مرة، أو بقلم كاتب مثل غابرييل غارسيا ماركيز مرةً ثانية.

المبدأ الفقهي يقول: «إن الله يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن»، أي إن وقف معاناة أهل غزة مثلاً في حاجة إلى قوة، لا إلى عظة، حتى ولو كانت من البابا فرنسيس شخصياً، ولكن مشكلة العالم أن القوة التي يمكنها وقف الحرب شريكة فيها!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عين البابا البصيرة عين البابا البصيرة



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt