توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترحيل «مادلين» ليس حلاً... تماماً كترحيل القضية

  مصر اليوم -

ترحيل «مادلين» ليس حلاً تماماً كترحيل القضية

بقلم: سليمان جودة

تتطلع أمامك إلى خريطة العالم في كل نهار، فتبدو لك كأنها تستدعي عبارة من عبارات خالد بن الوليد، الذي لمّا أصابه المرض راح يتطلع إلى ما مضى من حياته ويقول: «أموت في فراشي كما يموت البعير، وليس في جسدي موضع إلا وفيه رمية سهم».

هكذا يظهر العالم أمام كل متطلع إليه، فليس فيه موضع تقريباً إلا ويضرب بعضه البعض الآخر، وليس فيه ركن إلا وهو مُصاب، فكأنه جسد ابن الوليد في أيامه الماضية.

ولكنَّ هذا لا يعني أن الصورة سوداء بكاملها، ففيها ما يبعث على شيء من الأمل، وفيها ما يخفف من وطأة الضيق الذي تجده في صدرك، كلما ألقيت نظرة هنا أو نظرة هناك. وفي المقدمة مما يبعث على الأمل في عالمنا البائس وجود شابة سويدية اسمها غريتا ثونبرغ.

هذه الشابة تحمل جنسية بلد من بلاد أوروبا الثرية، وقد كان بمقدورها أن تقضي حياتها في شيء من لهو الشباب، ولكنها تأبى من يومها إلا أن تكون جادة بما يكفي في حياتها.

ما أبعد المسافة بين السويد في شمال القارة الأوروبية، وبين قطاع غزة الواقع أسفل جنوب القارة، لو غابت ما كان أحد سوف يسجل عليها الغياب، ولكن ضميرها كان بالتأكيد سوف يفعل ذلك.

ولا بد أن ثونبرغ حفيدة مخلصة لألفريد نوبل، الذي سبقها إلى الحياة بقرن تقريباً، والذي مات وهو يخصص جوائزه الأشهر بين الجوائز في العالم. فما كان قد بادر إليه هو بالجوائز التي تحمل اسمه، تبادر إليه غريتا ثونبرغ، ولكن بما تملكه من حيوية الشباب، ومن القدرة على الحركة، وعلى رفض كل ما ينال من حق الإنسان في أن يعيش حياة آمنة لا منغصات فيها.

على هذا الأساس ركبت الشابة السويدية السفينة «مادلين»، وأبحرت نحو شاطئ القطاع، وعلى هذا الأساس رافقها 11 شخصاً ممن يشاركونها بأن يخلو العالم ذات يوم من كل هذا الشر الذي يملأه، ومن كل ما ينتقص من كرامة الإنسان، ومن كل ما يمارسه الإسرائيليون بحق أصحاب الأرض في فلسطين. كانت الفتاة الشجاعة تعرف مسبقاً بالتأكيد أنها ورفقاءها سيجدون الشر الإسرائيلي في انتظارهم على الشاطئ هناك، وكانوا على يقين من أن الغطرسة الإسرائيلية ستحاصرهم في عرض البحر، وستمنعهم من الوصول إلى حيث ذهبوا. ولكن هذا لم يُضعف عزيمتهم في شيء، بل زدهم قوةً ويقيناً، وجعل كل واحد من الرفقاء يشعر بأن عنده من الإرادة ما يكفي لتعرية إسرائيل على مرأى من العالم.

حاصرت حكومة التطرف في تل أبيب هؤلاء الناشطين، واستوقفت سفينتهم في عرض البحر، ومن بعدها راحت ترسل كل واحد منهم إلى حيث جاء، ولكنها وهي تفعل ذلك كانت تعرِّي نفسها. لم تكن ترسلهم إلى بلادهم في حقيقة الأمر، ولكنها كانت تضعهم في أعلى مكان في نظر كل حُر بين الناس.كانت السفينة «مادلين» ترفع العَلَم البريطاني، وكان الظن أن وجود هذا العَلَم سوف يوفر لها حماية أو حصانة، إذْ لولا الوعد البريطاني الشهير ما كان لإسرائيل اليوم وجود، ولكن منذ متى كانت هذه الحكومة في إسرائيل تراعي عهداً أو تحفظ وعداً؟

وإذا كانت تل أبيب قد رأت ترحيل هؤلاء، فإنها اختارت البديل نفسه الذي تصرفت به، ولا تزال، مع القضية في فلسطين. وقد أثبتت التجربة في كل مرة أن ترحيل القضية لا يؤدي إلا إلى تأجيل استحقاقاتها. فالترحيل في حالة رفقاء السفينة ليس حلاً، بالضبط كما أن الترحيل في القضية لم يكن حلاً منذ أن كانت هناك قضية، ولن يكون. إن كل ما يحدث أن الاستحقاقات تنتقل من اليوم إلى الغد، وبكل ما قد يضيفه الغد إلى الاستحقاقات المؤجَّلة في حياة الأفراد والشعوب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترحيل «مادلين» ليس حلاً تماماً كترحيل القضية ترحيل «مادلين» ليس حلاً تماماً كترحيل القضية



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt