توقيت القاهرة المحلي 09:02:43 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كلما انحرف!

  مصر اليوم -

كلما انحرف

سليمان جودة

تجربة الأيام القليلة التى قضيتها فى بولندا تقول إن الدولة البولندية، التى لا يفصلها عن روسيا شرقاً إلا أوكرانيا، قد استطاعت أن تتخلص من قبضة الاقتصاد الاشتراكى، فى عدد من السنوات لا يمثل شيئاً إذا ما قيس بأعمار الدول، وليس أدل على ذلك سوى أنها الآن عضو فى الاتحاد الأوروبى بجلالة قدره، وقد مضت على عضويتها فيه 12عاماً كاملة!

لقد جاء وقت على بولندا، وكان ذلك فى ختام الحرب العالمية الثانية عام 1945، كانت فيه العاصمة وارسو تتلقى ضربات قاسية من الاتحاد السوفيتى، من جهة الشرق، ومن هتلر فى ألمانيا، من جهة الغرب، وفى توقيت واحد، لدرجة أن 80% من أحياء العاصمة كلها قد تم تدميرها تماماً، والذين عاشوا تلك الأيام، أو رأوا العاصمة بعد قصفها، أو قرأوا عما جرى لها، يعرفون أن طوبة واحدة فيها لم تكن فوق طوبة أخرى!

وعندما تتمشى اليوم فى وارسو، لا يمكن أن تصدق أن هذه المدينة الجميلة، والنظيفة، ذات الشوارع الفسيحة، والميادين الواسعة، قد كانت ذات يوم هدفاً لقصف متزامن من مدافع هتلر، فى برلين، ومدافع ستالين، فى موسكو!

هذا عن المبنى، فماذا عن المعنى؟!.. أو أن هذا عن الحجر، فماذا عن البشر؟!

عرضوا أمامنا رسماً بيانياً فى مدينة «كراكوف»، التى كانت عاصمة للبلاد ذات يوم، ثم صارت المدينة الثانية، حجماً وأهمية، بعد العاصمة وارسو، وكان الرسم البيانى يبين أعمدة طولية، وكان كل عمود فيها يوضح حجم الإنفاق العام على كل خدمة عامة، بالمقارنة بغيرها من الخدمات المقدمة من الحكومة للناس، فكان عمود التعليم هو أعلاها على الإطلاق، بما لا يمكن مقارنته بأى عمود مجاور آخر! وكان معنى ذلك أن حكومات بولندا المتوالية منذ سقوط الاتحاد السوفيتى، عام 1991، ومنذ سقوط سور برلين الفاصل بين أوروبا الشيوعية وأوروبا الرأسمالية، عام 1989، قد أدركت بكل وعيها، أن بناء الحجر الذى تحطم فى وارسو، كاملاً، لا يكفى، وأنه لابد.. لابد.. من بناء يتوازى معه للبشر!

والحكومات المتعاقبة عندهم لم تدرك هذا وفقط، وإنما انتبهت إلى شىء آخر أهم، هو أن الإنفاق العام العالى على التعليم، كما رأيته بعينى فى العمود البيانى إياه، ليس كافياً وحده، لأن الإنفاق من هذا النوع، إذا لم يكن يتم وفق رؤية تحدد الأهداف المرجوة من ورائه، فإنه يظل إنفاقاً فى العموم، ويظل إنفاقاً بلا هدف، ويظل إنفاقاً غير مضمون النتائج، ولذلك، فإنفاقهم المرتفع على التعليم محدد مسبقاً بأهداف يسعى دائماً لبلوغها!

بولندا، كتجربة، قريبة منا، وهى تتحول سياسياً واقتصادياً، بامتداد سنوات مضت، ثم إنها صاحبة تجربة ناجحة فى هذا التحول من اقتصاد، كانت الحكومة تملك وتدير فيه كل شىء، إلى اقتصاد حر، ومفتوح، تراقب فيه الحكومة كل شىء أيضاً، وتنظمه، وتضمن أن تصب عوائده فى صالح المواطن، وفى صالح مستوى حياته، وفى صالح آدمية الخدمات العامة التى من حقه أن يحصل عليها من حكومته.

وهى، فى الوقت ذاته، صاحبة تجربة فى الحكم المحلى، تمنح محافظاتها الـ16 درجة كبيرة من الاستقلالية، وتضع فى اللحظة ذاتها عيناً مفتوحة على آخرها، من العاصمة، على كل إقليم أو محافظة، فتتصرف المحافظات باختصاصات واسعة وواضحة، بينما عين الحكومة فى العاصمة تراقب باهتمام، ومن بعيد، وتعيد الأداء العام لصوابه كلما انحرف!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كلما انحرف كلما انحرف



GMT 07:36 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

رفاق كليلة

GMT 07:34 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

إيران بلا مرشد

GMT 07:33 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

الحرب وما بعدها

GMT 07:33 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات

GMT 07:32 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

الإنسان الفرط ــ صوتي

GMT 07:30 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

ضحايا مذبحة «التترات»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt