توقيت القاهرة المحلي 20:39:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وقاحة سياسية

  مصر اليوم -

وقاحة سياسية

فهمي هويدي

 لا أستطيع أن أصف الكلام الأمريكى الداعى إلى نزع سلاح المقاومة إلا بأنه من قبيل الوقاحة السياسية، وإذا قلت إنه هو نوع من القوادة والدعارة فمن عندك. ولا تثريب عليك فى ذلك، بل لعلك أدق وأصوب، وقبل أن أشرح حيثياتى فى ذلك فإننى أعتذر عن استخدام ألفاظ لا أذكر أننى أوردتها فى شىء مما سبق أن كتبت خلال الخمسين سنة الماضية، وإذ أرجو أن تسامحنى فى ذلك، أنوه إلى أننى اتكئ على «رخصة شرعية» فيما ذهبت إليه، مستمدة من سورة النساء، حيث تقول الآية 148: (إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)، وهى تسوغ لنا أن نأخذ راحتنا ونحن ننفس أنفسنا فى مواجهة الظلم، حتى إذا اقتضى ذلك أن تستخدم السيئ من القول، وأنا لم أفعل أكثر من ذلك، من ثم فلك أن تضيف ما شئت بعد ذلك فى وصف المشهد الفاجع والفادح الذى نطالعه فى غزة.

أصل الحكاية أن إسرائيل بعد المفاجآت والصفعات التى تلقتها من المقاومة، التى سببت لغرورها حرجا بالغا، وحين لم تجد أن الدمار الذى أحدثته لم يضعف المقاومة أو يكسر إرادتها، فإنها بدأت تتحدث عن ضرورة نزع سلاحها، وهو مطلب ينم عن درجة عالية من الصفاقة والبجاحة. ذلك أنه يدعو إلى تجريد الطرف الفلسطينى الذى اغتصبت أرضه من حقه فى مقاومة الاحتلال، وهو ما لم يحدث فى أى مرحلة فى التاريخ. وإن كان له مثيله فى الحالات التى هزم فيها الطرف الآخر هزيمة ساحقة، كما حدث مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أما أن يدعو المحتل إلى تجريد أصحاب الأرض من سلاحهم أثناء المعركة وفى الوقت الذى يصر فيه الأخيرون على تحدى الغازى المحتل، فذلك أعجب ما سمعناه حتى الآن، لكن إسرائيل معتمدة على ظروف مواتية دولية وعربية تسلحت بدرجة من الجرأة جعلتها تطلق تلك الدعوة الغريبة وغير المسبوقة. وكان موقفها مفهوما، لأنها ليست ضد سلاح المقاومة فحسب، ولكنها ضد المقاومة كلها من أساسها، ولو كان بمقدورها أن تستصدر قرارا من مجلس الأمن يدعو إلى منع مقاومة الاحتلال لفعلت، ومن يدرى فربما تدهور الوضع أكثر وأقدمت على تلك الخطوة مستقبلا، وإذا كانت ترأس الآن لجنة حقوق الإنسان المختصة بتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، رغم سجل جرائمها ضد الإنسانية، فلن يفاجئنا نجاحها فى استصدار قرار دولى يمنع مقاومة الاحتلال.

هذا الذى فوجئنا به حين صدر عن الدولة العبرية، تبنته الإدارة الأمريكية. وقرأنا يوم الاثنين الماضى 28/7 تصريحات على لسان وزير الخارجية جون كيرى وممثلة أمريكا لدى الأمم المتحدة سوزان رايس ذكرت أن تسوية الأزمة الراهنة ووقف العدوان الإسرائيلى على غزة يجب أن يقترن بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية. وهو أمر مدهش ذكرنى بلافتة حملها أحد المتظاهرين الإنجليز الذين تجمعوا أخيرا أمام سفارة العدو فى لندن، وحمل لافتة كتب عليها عبارة تقول: إن لوم حماس على استخدامها الصواريخ ضد الأهداف الإسرائيلية، لا يختلف فى شىء عن لوم امرأة لأنها ثارت لشرفها وصفعت من اغتصبها، وهذا الذى أثبته على اللافتة رجل إنجليزى توافر له بعض العقل والضمير، داس عليه وشطبه المتحدثان باسم الإدارة الأمريكية، ذلك أن المطلوب أن تغتصب فلسطين ويمنع الفلسطينيون من ابداء أى مقاومة، وهو ما لا أرى فى تسويغه وتشجيعه أى اختلاف عن الدعارة والقوادة، وإذ أفهم أن هذه الأعمال الأخيرة صارت نوعا من «البيزنس» الذى يتم بمقابل يحصل منه القواد على جزء فى حين تحصل الضحية على نصيب منه، إلا أنه فى الحالة الفلسطينية التى نحن بصددها مطلوب أن تغتصب فلسطين بالمجان، ليس ذلك فحسب وإنما مطلوب منها أن تستسلم لمغتصبها ولا تسبب له أى إزعاج، وفى ظل هذا المنطق فإنها ترتكب جريمة كبرى إذا ما صفعته وهى فى ذلك الوضع المزرى والمشين، ويستمر مسلسل العجائب بحيث تصبح هى المعتدية فى نظر البعض، ويحق للمغتصب أن يثور لكرامته وكبريائه، وأن يشهد الجميع على أنه «يدافع عن نفسه»، وفى حلقة أخرى من ذلك المسلسل الغرائبى لا نعدم أطرافا تتضامن معه، وتصدق ادعاءه، أما أم الغرائب فتتمثل فى مطالبة الطرف الذى تعرض للاغتصاب «بضبط النفس»، واعتبار صفعاته التى وجهها إلى المغتصب «أعمالا عدائية».

هذا الذى ذكرته ليس مبالغة أو افتراضا ولكنه وصف لما حدث بالفعل، وما أوردته وسائل الإعلام فى مصر على الأقل. صحيح أن الطرف الفلسطينى الذى تعرض للاغتصاب وجه أكثر من صفعة موجعة للمغتصب الإسرائيلى فى الحرب الدائرة، إلا أن ذلك ما كان له أن يدفع من لديه حد أدنى من الانصاف ــ لا أقول النخوة أو المروءة ــ أن يوجه أى لوم له، لأن اللوم الحقيقى ينبغى أن يوجه فى كل الأحوال إلى المغتصب أولا وأخيرا.

وإذ نستغرب المشهد والمنطق المقلوب فيه، إلا أن تلك ليست المفاجأة الوحيدة، لأن تتابع الأحداث كشف لنا عن أننا لسنا فقط بصدد مغتصب وحيد اتهم بالوقاحة والصفاقة، وإنما صرنا بإزاء شبكة تعاونه وتسوغ له فعلته، الأمر الذى ينبهنا إلى أن جبهة المواجهة أوسع مما نظن، وأن المعركة ليست ضد طرف واحد، ولكنها صارت ضد أطراف عدة، وإذا لم تصدقنى فاقرأ صحف الصباح وأخبار الساعة، فهى أكثر إبانة وإفصاحا.
 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وقاحة سياسية وقاحة سياسية



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt