توقيت القاهرة المحلي 21:02:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معجزة فى بر مصر

  مصر اليوم -

معجزة فى بر مصر

فهمي هويدي

إذا صح الكلام الذى نشر عن الأخطار التى تهدد صحة المصريين، فهو يعنى أننا شعب معرض للانقراض. وأن استمراره بتلك الأعداد المتزايدة حتى الآن يعد إحدى معجزات الدنيا التى ينبغى تسجيلها وتوثيقها. فقد قيل لنا إن 80٪ من الأغذية التى يتداولها المصريون من إنتاج «بير السلم»، أى أنه بعيد عن أى رقابة أو التزام بالمواصفات، وهو ما لا يستغرب معه ان ينتشر التلوث ومعه السموم التى تؤدى إلى الفشل الكلوى وأمراض الكبد والسرطانات باختلاف أنواعها. قيل لنا أيضا إنه من حسن حظ المصريين أنهم من الشعوب التى تبالغ فى طهى الطعام، الأمر الذى يؤدى إلى قتل نسبة كبيرة من الميكروبات، وان كان لا يقضى على سمومها. وتكون النتيجة ان تلك السموم تتراكم فى الجسم يوما بعد يوم. لذلك فإننا نمرض ولا نموت من الأكل ولو أن المصريين كانوا من الشعوب التى تأكل الطعام نصف مطهى أو غير مطهى أساسا لأصبح الوضع الصحى عندنا أسوأ بكثير.

هذا الكلام ليس من عندى، لكننى وقعت عليه فى حوار نشرته جريدة «التحرير» فى 27/9 مع رئيس وحدة سلامة الغذاء التابعة لوزارة الصناعة، الدكتور حسن منصور. وإلى جانب المعلومات المزعجة التى أشرت إليها توا، فإن الرجل أثار بعض النقاط والملاحظات المهمة الأخرى التى تدق أجراس التنبيه فى أكثر من اتجاه، فى المقدمة منها ما يلى:

< أن الإحصاءات المتعلقة بصحة المصريين تفتقد إلى الشفافية والدقة. إذ طبقا لما أعلنته وزارة الصحة فإن مصر أقل من الولايات المتحدة الأمريكية فى الإصابة بالتيفود ألف مرة. وان الأوضاع الصحية فى مصر أفضل منها إذا قورنت بالحاصل فى أمريكا (!).

< فى مسح طبى أجرى عام 2008 تبين أن ثلث الأطفال المصريين فى سن خمس سنوات يواجهون مشكلة فى النمو وأنهم مصابون بالتقزم، جراء سوء التغذية وانتشار السموم فى الطعام. وحين تم سحب عينه على أسبوعين (فى السنة 152 أسبوعا) تبين ان 10٪ من الأطفال أصيبوا بالاسهال فى تلك الفترة، وهذا يعنى أنه لا يوجد طفل لم يصب بالإسهال خلال السنة، وذلك بسبب تلوث الغذاء.

< الثابت أن تلوث الغذاء يقلل من نسبة الذكاء ويؤثر على المستويات العقلية. وذلك نتيجة تراكمات السموم داخل الجسم، الأمر الذى يؤثر بشدة على خلايا المخ. والتأثير التراكمى هو الأهم. لأن الأثر السريع والمؤقت سهل، فى حين أن التراكمى هو الأهم والأخطر، لأنه يؤدى إلى انخفاض المناعة. وتكون النتيجة انه ما من أسرة مصرية الآن تخلو من مريض بالسرطان.

< فى مصر الآن 2030 تشريعا تتعامل مع منظومة سلامة الغذاء. وهذه التشريعات تسمح لخمس وزارات بأن تتعامل مع الملف من زوايا مختلفة. ولدينا فى هذا المجال قوانين صدرت فى أواخر القرن التاسع عشر (عام 1892) وترتب على ذلك اننا صرنا بصدد منظومة قانونية خارج العصر. ذلك انها مثلا لا تشير من أى باب إلى «التطهير» و«التعقيم». فى حين لا يمكن تصور سلامة الغذاء بغير تطهير أو تعقيم، كما أن التشريعات الموجودة تتضمن نصوصا لو نفذت لأدى ذلك إلى أضرار أخرى. فقانون الغش ومنع التدليس (صدر فى عام 1988) عرّف الغش بطريقة خاطئة إذ قرر ان نزع جزء من المادة الغذائية يعتبر غشا. وهو ما يجعل منتجات الألبان منزوعة الدسم جريمة، يسرى ذلك أيضا على كل الأجبان الموجودة فى الأسواق. كما ان القوانين الموجودة لا تنص على ضرورة حفظ اللحوم فى درجات حرارة منخفضة، علما بأن ذلك يعد الآن من أهم متطلبات سلامة الغذاء.

فهمنا من الحوار أن فكرة إنشاء جهاز مستقل تكون مهمته الحفاظ على سلامة الغذاء وبالتالى للدفاع عن صحة المصريين، تتعثر منذ سبع سنوات، وان الصراع والتنافس بين وزارتى الصحة والصناعة كان من بين أسباب ذلك التعثر. فهمنا أيضا أن الرقابة التى تمارسها أجهزة وزارة الصحة لا تفى بالغرض، أولا لأنها تعتمد على القوى البشرية محدودة الامكانيات والموارد (بدل الانتقال الذى يصرف لمفتشى الصحة يتراوح بين 2 و3 جنيهات فى اليوم) ثم ان الرقابة لا تستخدم فيها وسائل التكنولوجيا الحديثة، ناهيك عن العقبات البيروقراطية التى لا تمكن المفتشين من استمرار مرورهم على المنتجين بصورة دورية ودائمة.

لأن الأمر يتعلق بصحة الناس وأمنهم الغذائى الذى هو فى صلب الأمن القومى، فهو ليس مدرجا ضمن اهتمامات أولويات السلطة، وتثار فى طريقه ألف عقبة وعقبة. أما إذا كان تعلق بأمن النظام ومؤسساته ورجاله، فحظه من الاهتمام كما تعلم. وهو ما يسوغ لى أن أقول بأنه إزاء ذلك فإن استمرار الشعب المصرى مع حفاظه على قدرته على المرح والمراهنة على المستقبل ليس له تفسير موضوعى أو عقلى. ولا سبيل إلى تفسيره إلا بالرجوع إلى التأويلات الغيبية، كأن نرجع ذلك إلى بركة دعاء الوالدين أو حراسة أولياء الله الصالحين الذين تحلق أرواحهم فى فضاء مصر طول الوقت، أو إلى كون ذلك فى علامات الساعة الصغرى التى فى ظلها تنقلب النواميس، بحيث يكتب البقاء لمن هو مرشح للانقراض والفناء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معجزة فى بر مصر معجزة فى بر مصر



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt