توقيت القاهرة المحلي 11:53:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مؤامرة من نوع آخر

  مصر اليوم -

مؤامرة من نوع آخر

فهمي هويدي

الخبر أن جيران البناية الأثرية لاحظوا أن مجهولين جاءوا ذات يوم وشرعوا فى هدم أجزاء منها ثم قاموا بتغطيتها، وعند منتصف الليل أحضروا معدات ثقيلة استخدموها فى هدم ثلاثة أعمدة خرسانية فى مدخلها، إلا أن الجيران الذين تشككوا فى الأمر سارعوا إلى إبلاغ شرطة حى شرق الإسكندرية، التى قدم رجالها وأوقفوا الهدم.

القصة نشرتها جريدة «الأهرام» فى الأول من شهر نوفمبر الحالى. وتابعت بها ما سبق أن أشارت إليه تحت عنوان «جريمة أثرية بالإسكندرية» وكشف فيه عن أن الفيللا، التى صممها ٤ من المهندسين الفرنسيين، وبناها فى عام ١٩٣٠ الثرى اليهودى شيكوريل، تعد للهدم رغم أنها من المبانى الأثرية بالمدينة. وكانت قوانين التأميم التى صدرت فى ستينيات القرن الماضى قد وضعتها ضمن ممتلكات الدولة فى السبعينيات. واستخدمتها إحدى شركات الملاحة البحرية، إلا أنها قامت ببيعها لمشترٍ جديد حاول هدمها لإقامة برج سكنى مكانها، رغم أنه لم يحصل على رخصة الهدم. ويلفت النظر فى القصة أنها كانت مدرجة ضمن قائمة التراث المعمارى، إلا أنها أخرجت من القائمة فى ظروف غامضة، الأمر الذى فتح الباب لهدمها.

هذه واحدة من مئات القصص الأخرى التى يتداولها النشطاء الذين استنفروا للدفاع عن التراث المعمارى المهدد بالإبادة فى أنحاء مصر. وهم الذين ما برحوا يطلقون نداءات تدعو لإنقاذ ذلك التراث الذى أصبح ضحية الجشع والجهل والفساد.

 وكما صرنا نسمع عن حملة «أنقذوا الإسكندرية»، فإن الغيورين من النشطاء نظموا حملات مماثلة لإنقاذ المبانى الأثرية والتاريخية فى القاهرة والمنصورة ودمياط وبورسعيد وأسيوط.. إلخ. ولئن كانت القاهرة المملوكية والخديوية صاحبة الحظ الأوفر من تلك المبانى التاريخية باعتبار أنها ظلت عاصمة الدولة على مر العصور، فإن أعيان المصريين، الذين انتشروا فى مختلف المحافظات وكانت لهم ملكياتهم أقاموا أبنية ومقرات صارت تحفا معمارية توزعت على تلك المحافظات، واحتلت الإسكندرية وبعض مدن الدلتا موقع الصدارة بينها. وبسبب ذلك الانتشار فإن مصر توفر لها كم هائل من الأبنية الأثرية والتاريخية. ولئن ظلت الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية فى الواجهة السياحية، إلا أن تلك الأبنية التى كانت تخص أعيان البلاد بقيت فى الظل سواء بسبب كثرتها أو بسبب انتشارها فى بقية المحافظات.

فى السنوات الأخيرة طرأ عاملان كان لهما تأثيرهما الفادح على تلك الثروة المعمارية الهائلة، الأول أن الاستثمار العقارى شهد إقبالاً كبيراً بعدما أصبح أهم وأضمن صور الاستثمار فى مصر، أما الثانى فهو ظروف الفوضى التى مرت بها البلاد خصوصا فى العام الأول لثورة ٢٠١١. وهى التى شهدت أكبر انقضاض ونهب للمبانى التاريخية والأراضى الزراعية. وبطبيعة الحال فإن الإهدار الذى تم لتلك الثروة التاريخية ما كان له أن يتم لولا الفساد المنتشر فى المحليات الذى تراوح بين الإهمال وإصدار تراخيص الهدم بعد الاحتيال على القانون.

 فى هذا الصدد ذكر منسق مبادرة (أنقذوا المنصورة) المهندس مهند فودة أن عشرين مبنى من العقارات التراثية هدمت أو أحرقت بعد ثورة ٢٠١١ وإن المدينة تضم ١٢٠ عقارا آخر مهددة بالهدم. وإذا كان ذلك حظ مدينة واحدة بالدلتا، فلك أن تتصور الموقف فى بقية المدن، أو فى القاهرة. وقد قرأت أن المشكاوات الخديوية فى جامع الرفاعى بالقاهرة (عددها ٩٨ مشكاة) اختفت كلها وحل محلها نجف رخيص مما يُباع فى حى العتبة. وقد عرضت واحدة من تلك المشكاوات فى مزاد «كرستيز» بنحو ٣٩ ألف جنيه استرلينى تعادل نصف مليون جنيه مصرى. أى أن ثمن تلك المشكاوات التى سرقت يعادل ٤٩ مليون جنيه.

الكارثة متعددة الأوجه. وفساد المحليات وقصور القوانين، وغيبوبة المسئولين، هذه كلها عوامل لعبت الدور الأكبر فى استفحالها. وما يثير الانتباه فى هذا الصدد أن حملة إنقاذ الثروة التاريخية ينادى لها المجتمع من خلال النشطاء الغيورين فى حين أن الدولة غائبة تماما عن المشهد وتاركة الساحة للمافيات التى باتت تشن حرب إبادة منظمة على تلك الثروة.

إننى أفهم جشع الذين يتطلعون إلى التربح من وراء هدم المبانى التاريخية، لكننى لا أفهم أن تشجعهم أجهزة الدولة على ذلك بالتصريح تارة أو بغض البصر تارة أخرى. وإذ احترمت قرار محافظ الإسكندرية بالاستقالة من منصبه لأنه لم يستطع أن ينقذ المدينة من الغرق جراء الأمطار، فإننى لا أخفى دهشة إزاء وقوف مسئولى الآثار والثقافة متفرجين رغم عجزهم عن وقف حملة إبادة شواهد التاريخ فى أنحاء مصر.

 ثم إننى لا أستطيع أن أحسن الظن بالقانونيين، الذين يسارعون إلى تقديم البلاغات ضد كل من ينتقد السلطة ورموزها إلى حد اتهامهم بالخيانة العظمى. فى حين لا يحركون ساكنا أمام تلك «المؤامرة» المفضوحة على ذاكرة الوطن وثروته المعمارية. أما الذين يهتفون لمصر ويتغنون بحبها فيبدو أن مصر التاريخ سقطت من حسبانهم، أو إن مصر بالنسبة إليهم باتت تعنى شيئا آخر لا نعرفه. إن هؤلاء جميعا ضالعون فى المؤامرة على التاريخ التى تنسج ضد مصر فى الظلام.

نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مؤامرة من نوع آخر مؤامرة من نوع آخر



GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

GMT 11:22 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

عن التنافسية الرياضية وآثارها الدنيويّة

GMT 11:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سر الملكة إياح حوتب

GMT 11:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ذعرٌ من الخصوبة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt