توقيت القاهرة المحلي 15:07:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن المجهولين المظلومين

  مصر اليوم -

عن المجهولين المظلومين

فهمي هويدي

حين يتم إطلاق سراح أى عدد من المظلومين فإن تلك خطوة تستحق الترحيب والتشجيع. وفى هذه الحالة فإن التساؤل عن أسماء بذاتها من الأصدقاء أو من مشاهير المسجونين يعد موقفا غير مبدئى وغير أخلاقى. لذلك فالسؤال الغلط فى هذه الحالة لا يكون لماذا لم تفرجوا عن فلان أو فلانة. فى حين ان ثمة سيلا من الأسئلة الصحيحة ينبغى أن تطرح فى المناسبة، منها مثلا: متى يتم إطلاق سراح بقية المظلومين؟ ولماذا يودع الأبرياء فى السجون أصلا؟ ومتى يوضع حد لاحتجاز مئات أو ألوف الأشخاص لسنة أو سنتين بدعوى الحبس الاحتياطى؟ وما هى المعايير التى يحتكم إليها فى إطلاق سراح أناس والإبقاء على آخرين؟... إلخ.

أتحدث عن ردود الأفعال التى ظهرت فى الفضاء السياسى والإعلامى المصرى حين تم إطلاق سراح ١٦٥ شخصا من المحبوسين خلال الأسبوع الماضى. وهى الخطوة التى استقبلت بدرجة ملحوظة من الفتور، ليس فقط لأن القائمة خلت من الأسماء المشهورة بين المسجونين، ولكن أيضا لأن الآمال كانت معقودة على إطلاق سراح عدة مئات (المجلس القومى لحقوق الإنسان تحدث عن دفعة تضم ٧٠٠ شخص ثم دفعة أخرى من ٦٠٠). فضلا عن أن الرقم الذى شمله العفو بمثابة نقطة فى بحر الأزمة، خصوصا ان تقديرات المنظمات الحقوقية المستقلة تحدثت عن أكثر من ٤٠ ألف سجين سياسى، منهم ١٢ ألفا تحت الحبس الاحتياطى.

كانت التوقعات كبيرة وسقف التمنيات عاليا بصورة نسبية، خصوصا ان الوعد بإطلاق سراح المظلومين المعتقلين تكرر أكثر من مرة على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ شهر يناير الماضى. لذلك أصيب كثيرون بالإحباط حين انخفض السقف، وأسفرت جهود الفحص والمراجعة عن الإفراج عن ١٦٥ شخصا فقط.

ولئن كان الإحباط فى محله، على الأقل بالنسبة للمتفائلين الذين لايزالون يراهنون على أمل انفراج الأزمة، إلا أن هذه لم تكن الملاحظة الوحيدة. ذلك إن بعض الأصوات عبرت عن شعور الإحباط لسبب آخر لا علاقة له بالعدد المتواضع الذى شمله العفو. إذ انتقد هؤلاء قرار العفو لأنه لم يشمل أناسا بذواتهم، ممن ترددت أسماؤهم كثيرا فى وسائل الإعلام حتى صاروا من «نجوم المحبوسين»، أو من الأشخاص الذين ينتمون إلى جماعات سياسية معينة ذات خلفيات مغايرة تجعلها مشتبكة مع بعض ممارسات النظام (قانون التظاهر مثلا) وليس مع النظام ذاته.

لست ضد إطلاق سراح الأخيرين، وإنما أتمنى لهم أن يستردوا حريتهم ويعودوا إلى ذويهم فى أقرب وقت. ليس لأنهم مشهورون أو لأن انتماءاتهم السياسية تشفع لهم، ولكن لأنهم مظلومون، وينبغى أن يرفع ذلك الظلم عنهم دون إبطاء. ورغم تعاطفى مع هؤلاء الأشخاص الذين تتحدث عنهم وسائل الإعلام بين الحين والآخر، إلا أننى لا أخفى تعاطفا أكبر مع المظلومين المجهولين الذين لا يعرفهم أحد، ويتوزعون على سجون مقامة فى أماكن نائية وأخرى مجهولة. ذلك أن الأولين الحاضرين فى وسائل الإعلام لابد أن تكون حالتهم المعنوية أفضل بصورة نسبية، على الأقل لأنهم يجدون أن هناك من يذكرهم ويدافع عن قضيتهم، ويثيرون الضجيج فى وسائل الإعلام إذا مسهم سوء. أما أولئك المجهولون التابعون وراء الشمس فلا أحد يذكرهم أو يعنى بأمرهم باستثناء أهاليهم بطبيعة الحال. من ثم فأملهم ضعيف فى أى انفراج، وهو ما لابد أن يؤثر على تدهور معنوياتهم، ناهيك عن أن بقاءهم فى الظل بعيدا عن الأضواء يطلق أيدى سجانيهم فى التنكيل بهم، وهم مطمئنون إلى أن هؤلاء المجهولين لا صاحب لهم ولا أحد يعنى بأمرهم، وليس ذلك مجرد استنتاج لأننى أتلقى خطابات من أهالى المعتقلين تحاول أن تلفت انتباه الرأى العام ووسائل الإعلام إلى معاناة ابنائهم، ومنهم من ذكر صراحة ان السلطة لا تلتفت إلى الذين لا تذكرهم وسائل الإعلام لأن الضجيج الذى يحدثه مشاهير المسجونين يقلقها ويسبب لها إزعاجا تحرص على تجنبه.

رغم تعدد الزوايا التى يمكن تناول الموضوع منها، إلا أننى معنى فى اللحظة الراهنة بالصدى الذى أحدثه فى بعض دوائر الطبقة السياسية قرار العفو عن العدد الأخير من المسجونين، وهو ما سارعت إلى وصفه فى الأسطر الأولى بأنه غير مبدئى وغير أخلاقى. ذلك ان الذين انتقدوا القرار وتحفظوا عليه لمجرد أنه لم يشمل أصدقاءهم أو جماعتهم كانوا يدافعون عن أشخاص وليس عن قيم. ولم يكن يعنيهم كثيرا ان يعانى الآخرون من الظلم والقهر، لأنهم اعتنوا بإعادة الحرية إلى من يحبون، ولم يكترثوا بمعاناة ومظلومية من يكرهون. ولا استبعد ان يكون فساد الأجواء السياسية قد أقنع هؤلاء بأن لهم مصلحة فى الإبقاء على مظلومية من يكرهون، لأن من شأن ذلك أن يمكنهم من الانفراد بالفضاء السياسى ويحررهم من عبء المنافسة وتكاليفها.

إن نزاهة المناضلين السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان تقاس بمعيار دفاعهم عن كرامة من يكرهون وليس فقط من يحبون. وإذ اجتاز بعض الحقوقيين فى مصر ذلك الاختيار بنجاح، إلا أن عناصر الطبقة السياسية التى تطرقت إلى الموضوع اثبتت انها بحاجة إلى تلقى دروس خصوصية فى قيم المنافسة الشريفة والسلوك السياسى الرشيد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المجهولين المظلومين عن المجهولين المظلومين



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt