توقيت القاهرة المحلي 02:21:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رجولة هذه السيدة

  مصر اليوم -

رجولة هذه السيدة

فهمي هويدي

أرشح هذه المرأة لأن تكون سيدة العام فى مصر. صحيح أنه تم تكريمها فى مناسبة عيد الأم باعتبارها واحدة من الأمهات المثاليات، وذلك شىء جيد لا ريب، إلا أننى أزعم بأنها تستحق مكافأة أكبر وتقديرا من نوع خاص. ذلك أنها لم تكن أما مثالية فحسب، ولكنها قدمت نموذجا نادرا ومدهشا فى التضخية والكفاح، يتجاوز بكثير أى حدود يمكن تخيلها من امرأة وأم بل من أى إنسان عادى فى زماننا.

ورغم أننا لا نعرف تفصيلات رحلة حياتها فإن القدر الذى تناقلته وسائل الإعلام المصرية عن قصتها مبهر إلى حد يصعب تصديقه، كما يصعب تكراره.

هى صيصة أبودوح البالغة من العمر ٦٥ عاما، أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتعيش فى محيط محافظة الأقصر بأقصى صعيد مصر. مات عنها زوجها وهى حامل فى شهرها السادس.

أشقاؤها لم يكن بمقدورهم أن يساعدوها ولم يحتملوها بسبب الفقر. وحين وجدوا أنها أصبحت عالة عليهم حاولوا تزويجها لكى يتخففوا من عبئها. لكنها رفضت أن تعاشر رجلا غير زوجها الذى مات، وكانت حجتها فى ذلك أن المرأة «الأصيلة» لا تتزوج بعد وفاة زوجها. هى الفقيرة الأمية نسيت عوزها ولم تبال بغموض مستقبلها، وتصرفت كصعيدية مسكونة بالأنفة والكبرياء ومتمسكة بتقاليد بنات الأصول فى محيطها. من ثم فإنها قررت وهى بنت العشرين عاما أن تواصل مسيرتها وتخوض غمار الحياة وحدها، وان تدافع عن وليدها وحدها.

شجعها على ذلك أنها أنجبت بنتا (سمتها هدى)، الأمر الذى ضاعف من إصرارها على رعايتها وحمايتها حتى ترى فيها حلما لم تحققه لنفسها.

كان متعذرا على الأرملة الشابة أن تشق طريقها فى الحياة وحيدة، فى مجتمع يعتبر الرجل سيدا يسعى وراء الرزق والمرأة عورة مكانها فى البيت وإذ وجدت أنها لكى تعيش وتربى ابنتها فلابد أن تعمل، وأدركت أن باب الرزق الشريف موصد أمامها لأن سوق العمل مقصور على الرجال، فإنها قررت أن تصبح رجلا.

قامت بعملية استشهادية، طوت بها صفحة المرأة وقمعت الأنوثة وحولت تاريخها إلى سر كبير لا يعرفه سوى شخص واحد فى العالم، هو ابنتها هدى.

وحين ودعت عالم الأنوثة فإنها حلقت شعرها وخشنت من صوتها، وارتدت عمامة الصعايدة وثيابهم والخف الذى ينتعلونه، واختفت من المحيط الذى يعرفها، لتظهر بعد ذلك فى سوق العمل بالقرى المجاورة باسم آخر وبهيأة جديدة.

لسنا نعرف الكثير عن تفصيلات رحلتها بعدما ألقت بنفسها فى السوق دون أن تملك شيئا يؤهلها للاشتغال فى أى مهنة. حتى القراءة والكتابة جهلتها. لم تكن تملك سوى صلابة الصعايدة وكبرياء وعفة بنات الأصول. لم يكن يعينها سوى أن تعثر على أى عمل شريف يعينها على تربية ابنتها.

وإذ تنقلت بين عدة قرى سعيا وراء الرزق، ومارست كل الأعمال التى يقوم بها الرجال، فإنها وجدت عملا ثابتا فى مصنع للطوب والبناء، ظلت تداوم فيه مع زملائها العمال طوال ٢٥ عاما، كما انها اشتغلت فى جمع المحاصيل، وحين تشققت يداها جراء الأعمال الخشنة وأصبح جسمها أضعف من ان يحتمل الأعمال الشاقة، فإنها قررت أن تعمل ماسح أحذية، وهى مهنة لم تكن تتطلب منها أكثر من أن تجلس على الأرض أو فوق صندوق خشبى لكى تتولى تلميع الأحذية للراغبين.

فى رحلة الرجولة والشقاء التى لم يتوقف فيها النضال اليومى، التى استمرت طيلة ٤٣ عاما، لم تعرف صيصة الفرح إلا مرة واحدة، حين زوجت ابنتها، وأقامت فيه فرحا رقصت فيه بعدما تذكرت أنها أنثى لم تحلم لنفسها يوما، لكنها حين زوجت ابنتها اعتبرت انها حققت حلم حياتها الوحيد. ذلك أنها تخلت عن أحلامها الشخصية وتوحدت مع ابنتها منذ صارت رجلا. تكرر الفرح حين أنجبت البنت وصار لها أحفاد تحتضنهم ويعيدون إليها مشاعر الدفء والحنان التى نسيتها. إلا أن الأقدار شاءت ألا تستمر فرحتها طويلا. إذ أصيب زوج ابنتها بالسل الرئوى الذى أقعده عن العمل.

وكان عليها أن تواصل كفاحها لكى تعول زوج ابنتها الذى أعجزه المرض مع ابنتها وأطفالها الأربعة. وهى المغامرة التى خاضتها ببسالة نادرة.
حين وقع عليها الاختيار ضمن الأمهات المثاليات، فإنها جاءت من الصعيد مرتدية ثياب الرجال التى لم تظهر بغيرها طوال العقود الأربعة الماضية.

وظهرت فى الصور وهى تتسلم شهادة تقديرها من رئيس الجمهورية وقد ارتدت العمامة والجلباب وتلفعت بشال الصعايدة الاقحاح. وحين سئلت عما ستفعل بالمكافأة التى قدمت لها (٥٠ ألف جنيه) قالت بتلقائية مدهشة ونكران نادر للذات انها ستخصصها لعلاج زوج ابنتها المريض. وان ابنتها وزوجها أولى بها.

لا أخفى شعورا بالتقدير والدهشة البالغة إزاء النموذج الذى قدمته صيصة أبودوح. لذلك تمنيت لو أنها منحت معاشا استثنائيا يمكنها من تربية أحفادها، ولو تكفلت إحدى الجهات بعلاج زوج ابنتها المريض بالسل، وأكرر أنها ليست أما مثالية فحسب، وإنما هى أيضا نموذج فريد وملهم يضعها ضمن العظماء المجهولين، الذين يعيشون بيننا ولكنهم بنبل تضحياتهم ينتمون إلى كوكب آخر. وعالم أسطورى للكفاح والعطاء ما عدنا نعرفه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رجولة هذه السيدة رجولة هذه السيدة



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt