توقيت القاهرة المحلي 14:17:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

داعش فى مصر

  مصر اليوم -

داعش فى مصر

فهمي هويدي

حين نشرت إحدى صحفنا أن «داعش» وصلت إلى مصر قلت: أكلما عنَّ لمخبول أو مهووس أن يطلق فرقعة يدعى فيها حضورا بمصر، سارع الإعلام إلى ملاحقته بالأضواء وتطوع بتسويقه والترويج له؟ ــ أدرى أن ثورة الاتصال أتاحت لكل من هب ودب بأن يعلن عن نفسه ويوجه ما يشاء من رسائل تعلقت بآرائه وأهدافه، دون ان يكون بمقدور أى أحد ان يتعرف على هويته ووزنه. ولست أشك فى أن الإعلاميين يدركون ذلك جيدا. لذلك فالمسئولية المهنية تقتضى ألا تمر تلك الرسائل بغير دقيق أو تمحيص، قبل أن تخرج من المجال الخاص إلى العام.

لقد استغربت ان يصبح حضور داعش فى مصر عنوانا رئيسيا للصفحة الأولى فى إحدى الصحف يوم الثلاثاء 19/8. وأصابتنى الدهشة حين قرأت فى إحدى صحف الأربعاء على لسان من وصف أنه قيادى فى الجماعة أنهم يستعدون لغزو مصر، وان ليبيا فى الغرب والكويت فى الخليج هى الوجهة المقبلة لزحف الدواعش وزعم صاحبنا أنهم يستعدون لتلقين الأمريكيين وزعيمهم «كلب الروم» درسا لن ينسوه من قبل عناصر جيش الخلافة، ولكى يدللوا على ذلك ويؤكدوه فإنهم صمموا صورة للبيت الأبيض وقد ظهر عليه علم «الخلافة» المرفوع الآن على بعض مناطق سوريا والعراق.

أعرف أن كثيرين فى مستشفى الأمراض العقلية يرددون كلاما مماثلا، وشوارع القاهرة يهيم فيها بعض هؤلاء. ممن يعتبرون أنفسهم مبعوثى العناية الإلهية ويقودون الجيوش ويهدمون الإمبراطوريات ويخبرون المارة بمواعيد حلول يوم القيامة والحياة فى الأكوان الأخرى. وهؤلاء جميعا يتركون لحالهم، فلا يحاسبون أو يتعرضون حتى للعتاب. لكن المشكلة تحدث حين يتحلق حولهم المصدقون الذين يأخذون كلامهم على محمل الجد.

لأننى أعرف أن اسم داعش اختصار للأحرف الأولى من عنوان الدولة الإسلامية فى العراق والشام، فقد خطر لى أن يكون ظهور الاسم فى مصر بات رمزا لشىء جديد، ربما كان الدولة الإسلامية فى العمرانية وشبرا. لكن وجدت غيرى طرح مبادرة أخرى وتحدث عن «واهف» التى هى اختصار لاسم الدولة الإسلامية فى فيصل والهرم. وعند المفاضلة بين الاسمين وجدت اسم الدولة الأولى أفضل لأنه يمد حدود «الدولة» لكى تشمل محافظتى الجيزة (حيث حى العمرنية) والقاهرة التى يعد حى شبرا بين أبرز ضواحيها. أما الاسم الثانى فهو يحصر الدولة المنتظرة فى حدود محافظة الجيزة وحدها، الأمر الذى يتطلب بذل جهد إضافى لضم القاهرة إليها مستقبلا. كأن مهمة إقامة الدولة قد انجزت ولم يبق لنا الآن نرسم حدودها ونتخير الاسم المناسب لها.

كما رأيت فإن اقحام مصر فى الموضوع لا يمكن التعامل معه إلا على مستوى التندر والهزل. هذا إذا كان الكلام مقصورا على مبدأ وجود الدواعش. أما الحديث عن غزوهم لمصر فأحسب أن الأمر يتطلب مستوى من السخرية لا أقدر عليه، لأنه من قبيل الأفكار التى لا مجال لتداولها إلا فى جلسات الأنس التى تدير فيها المخدرات الرءوس وتتبخر منها العقول بحيث يصبح أى تخريف واردا ومثيرا لضحك الجالسين الذين يقهقهون حتى ىسيل من أفواههم اللعاب ويستلقون على أقفيتهم.

إذا تجازونا عن الهزل ودخلنا فى الجد فسنجد أن ثمة كلاما ينبغى أن يقال فى الحديث عن فرقعة الداعشية فى مصر. وهو ما ألخصه فى النقاط التالية:

• إننى لا أستبعد أن تتحول الداعشية إلى أفكار متخلفة تعبر عن الجهل بالإسلام ومراحل الانحطاط فى تاريخه، دون أن يعنى ذلك بالضورة ارتباطا بالمجموعة التى ترتكب الجرائم والأهوال فى العراق وبلاد الشام. تماما كما حدث مع أفكار تنظيم القاعدة. من ثم فلن يكون مستغربا ان يوجد فى مصر نفر من هؤلاء، المخبولين، ينضمون إلى فئة المتخلفين فكريا وعقليا. أما الحديث عن دولة وعن غزو لمصر فإنه يظل محصورا فى نطاق مداولات جلسات الأنس سابقة الذكر.

• إن الأفكار لا تهبط على الناس من السماء فجأة، لكنها إفراز لبيئة مواتية وظرف تاريخى مناسب. وخروج الدواعش من العراق وثيق الصلة بظروف بيئته التى يتداخل فيها غضب ونقمة أهل السنة على النظام الطائفى مع قدرات جيش صدام حسين، مع الطبع العراقى الحاد. فضلا عن تدخلات الجيران. وكل ذلك لا وجود له فى مصر الأمر الذى يعنى أن تكرار تجربة الجماعة فيها أمر غير وارد.

• إن هذه ليست المرة الأولى التى يقحم اسم مصر فى مخططات جماعات تنشط خارجها، فلطالما أوهمتنا القاعدة بأن لها رجالا فيها، كما أن حزب التحرير لايزال يصدر بيانات يتحدث فيها عن «ولاية مصر» دون أن يعنى ذلك شيئا له قيمته على أرض الواقع.

• إننى أفهم ان المبالغة الإعلامية فى تصوير حضور داعش فى مصر يخدم سياسة شيطنة الإسلاميين والتخويف منهم. حيث تقدم الجماعة نموذجا يحقق تلك الرغبة وزيادة، ذلك أن الجرائم التى ترتكبها بحق المخالفين مسلمين كانوا أم غير مسلمين كفيلة بإشاعة النفور والكراهية لكل ما له صلة بالإسلام.

• إن تعمد إبراز جرائم داعش والتلويح صراحة أو ضمنا بأن كل النشطاء الإسلاميين يؤيدونهم ويبطنون تفاعلا معهم يعد سلاحا خطرا للغاية، لأن الذين يستخدمونه للتنديد بالإسلام السياسى لا يلاحظون ان ذلك لا ينفر الأجيال الجديدة من التدين فحسب، ولكنه يدفعهم إلى مربع هجرة الدين والانتقال إلى صف الإلحاد. وهذه الظاهرة لها وجودها فى مصر الآن بصورة لا تنكر.

• إن هجاء داعش أمر مفروغ منه، لكن الإلحاح على الربط بينهم وبين جماعات الاعتدال والوسطية الإسلامية مغامرة خطرة غير مأمونة العاقبة. لذلك من المهم للغاية الحفاظ على مسافة بين داعش وغيرها، وان تتسم النظرة النقدية لها بالحذر الذى يميز بين الجهل والتطرف، وبين دعاة الوسطية والاعتدال الذين ينبغى أن نحتضنهم ونرعاهم. لأننا بغير ذلك نفتح على أنفسنا أبوابا لجحيم لا نعرف له مدى أو حدودا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

داعش فى مصر داعش فى مصر



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt