توقيت القاهرة المحلي 20:39:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حياد ليس باسمنا

  مصر اليوم -

حياد ليس باسمنا

فهمي هويدي

هل أصبحت مصر محايدة إزاء الصراع العربى الإسرائيلى؟ ـ لو أن أحدا ألقى على السؤال قبل سنوات لقلت له على الفور: خسئت. فمصر ليست الدولة التى يوجه إليها سؤال من هذا القبيل، إلا أن الدنيا تغيرت على نحو لم يخطر لمثلى على بال، بحيث إن السؤال الذى كنا نعتبره مجرد اطلاقه من المحرمات المخزية التى تشين المرء وتجرح انتماءه، أصبح واردا، بل صرنا نحن الذين نلقيه، بعدما استبدت بنا الحيرة واختلطت الأوراق بحيث اهتزت الثوابت، وصار الحرام حلالا والحلال حراما.
خلال سنوات حكم مبارك بل وأثناء حكم السادات مرت العلاقات المصرية الفلسطينية بمراحل من البرود لأسباب طارئة. لكننى لا أتذكر أن فكرة الحياد إزاء القضية كانت واردة. وحتى حين استشاط السادات غضبا بعد اغتيال يوسف السباعى فى قبرص وبعد توقيعه اتفاق السلام مع إسرائيل، فإن البيانات الرسمية ظلت تعبر عن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية والدفاع عن القضية الفلسطينية. حتى إذا كان ذلك قد تم من باب تسجيل المواقف فى وسائل الإعلام فى حين كانت السياسة تمضى باتجاه آخر، فالشاهد أن الخطاب السياسى والإعلامى ظل مرتبطا بموقف معلن كان من الصعب النزول عنه. وهو الموقف الذى تشير القرائن الأخيرة إلى أنه تم العدول عنه. ذلك أن ما كان نوعا من البرود بدا وكأنه نزوع إلى الحياد. والفرق بين الحالتين كبير، فالبرود يفترض أن هناك موقفا لا يراد الإعلان عنه، فى حين أن الحياد بمثابة وقوف فى الوسط بين طرفين وقد يكون تعبيرا عن اللاموقف. وإذا تذكرنا أننا كنا نتحدث عن قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية فى العالم العربى. فإن الانتقال من مركزية القضية إلى الحياد إزاءها يغدو نقلة هائلة وانتكاسة كبرى، أقرب إلى الانقلاب فى الموقف السياسى.
ما دعانى إلى التساؤل عن موقف الحياد ــ وأنا أتحدث عن السلطة وليس المجتمع ــ هو اللغة التى تحدثت بها وزارة الخارجية المصرية فى تعليقها على الانقضاض الإسرائيلى الأخير على غزة، والهجوم الوحشى الذى استهدف مواقع المقاومة ومساكن المدنيين. ذلك أنه حين بدأ العدوان المكثف يوم الاثنين 7/7 نشرت جريدة الأهرام فى عدد الثلاثاء تصريحا للسفير بدر عبدالعاطى المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية أعرب فيه عن «إدانة مصر لسلسلة الغارات التى شنها الطيران الإسرائيلى على قطاع غزة»، وبعد الإشارة إلى رفض مصر للقصف الذى يستهدف المدنيين، دعا المتحدث السفير عبدالعاطى إلى وقف السياسات الاستفزازية، وفى مقدمتها النشاط الاستيطانى وسياسة فرض الأمر الواقع «من جانب إسرائيل بطبيعة الحال».
هذا الموقف الذى أدان الغارات الإسرائيلية وانتقد سياسة إسرائيل الاستفزازية والاستيطانية تغير بعد 48 ساعة، حيث قرأنا كلاما مختلفا وغريبا للمتحدث باسم الخارجية المصرية، ورد نصه فى موقع الوزارة يوم 9/7. وجاء فى النص ما يلى: أعرب المتحدث الرسمى عن قلق مصر الشديد من استمرار تصاعد الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية خلال الساعات الأخيرة مجددا المطالبة بضبط النفس والابتعاد الكامل والفورى عن أعمال «العنف المتبادل».. لتجنيب المدنيين ويلاته.. مما يؤدى إلى صعوبة العودة إلى المفاوضات التى تقود إلى تطلعات الشعب الفلسطينى وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية فى إطار تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.. «ودعا» المتحدث إلى ضرورة البدء الفورى فى اتصالات مباشرة بين الجانبين للعمل على إنفاذ العدالة، مؤكدا أن مصر تبذل جهودا مكثفة بالتعاون والتنسيق مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية للحيلولة دون إراقة مزيد من دماء المدنيين... إلخ.
المتابع للشأن الفلسطينى يصدمه البيان، الذى بدا متراجعا. حتى أزعم أنه أضعف وأسوأ ما صدر عن الخارجية المصرية بخصوص القضية. فليست فيه كلمة إدنة لخمسمائة غارة إسرائيلية ألقت حوالى 400 طن متفجرات وقتلت نحو مائة فلسطينى وأصابت أكثر من 500. فى حين أن صواريخ المقاومة الفلسطينية أزعجتهم حقا، لكنها لم تقتل إسرائيليا واحدا. وقد وصف الاشتباك بأنه «عنف متبادل»، تساوى فى ظله القتيل مع القاتل ــ ثم إن الكلام عن ضبط النفس والدعوة إلى العودة للمفاوضات «لإنفاذ العدالة» كلام يرد فى أى بيان يصدر عن أى مسئول فى الكرة الأرضية لا علاقة له بالموضوع ــ بل إن هذه المعانى وردت كلها فى مقالة للرئيس الأمريكى باراك أوباما. نشرتها إحدى الصحف الألمانية كما ذكرت جريدة الأهرام فى عدد 10/7. هذا الموقف المحايد يلحظه أى متابع للحدث. وقد سجلته صحيفة «نيويورك تايمز» فى تقرير نشرته فى 9/7 ، ذكرت فيه أن مصر بدت وكأنها «رفعت يدها» عن دور الوساطة الذى اعتادت أن تقوم به فى مثل هذه الحالات. وأن ذلك يعكس «تحولا فى سياستها الخارجية فى عهد رئيسها الجديد عبدالفتاح السيسى». وقد أشارت صحيفة «المصرى اليوم» أمس إلى المعنى ذاته حين نشرت تقريرا كان عنوانه «صحف أمريكية تنتقد الصمت المصرى على قصف غزة».
لا يستطيع أحد أن يتجاهل حقيقة أن الحياد المصرى الظاهر إزاء حملة التدمير والإبادة الإسرائيلية الموجهة ضد القطاع متأثر بمشكلة السلطة مع الإخوان، ورذاذها الذى طال حماس والمقاومة الفلسطينية، وإذا صح ذلك فإنه يعد من قبيل التضحية بما هو إستراتيجى جراء التأثر بعوامل تكتيكية عارضة.
الصدمة فى حياد مصر الرسمية وفى صمت الكثيرين من عناصر النخبة المصرية لا تكاد تصدق. كما يصدمنا أيضا أن بين الأخيرين من بشرنا قبل عدة أشهر بعودة عبدالناصر وزمانه. وإذ ينعقد لسان المرء من الذهول والدهشة إزاء هذا الموقف، فإننى لا أملك سوى أن أصيح بأعلى صوت: ليس باسمنا صدر بيان الخارجية، لأنه لا يعبر إلا عن الذى أوصوا به وصاغوه
"الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حياد ليس باسمنا حياد ليس باسمنا



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt