توقيت القاهرة المحلي 18:47:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بلاها «مركزية»

  مصر اليوم -

بلاها «مركزية»

فهمي هويدي

شعرت بالقلق حين قرأت فى صحف الصباح أن القمة الإسلامية الاستثنائية التى عقدت فى جاكرتا اعتبرت فلسطين قضية المسلمين «المركزية». إذ رغم سعادتى بالصياغة اللغوية التى عبر عنها الرئيس الاندونيسى فى كلمته التى ألقاها نيابة عنه وزير الخارجية فى افتتاح المؤتمر يوم الأحد الماضى (٦/٣) فإننى خشيت أن يقتبس العالم الإسلامى نهج «المركزية» المطبق فى العالم العربى، الذى هتفنا له يوما ما، لكن هتافنا ظل معلقا فى الفضاء ولم نجد له أثرا على الأرض. لذلك لست أخفى أن شعورا بالانقباض أصابنى حين وقعت على التصريح، لأننى كنت أراهن على براءة مشاعر التضامن فى العالم الإسلامى، على الأقل بالنسبة للقدس، ظنا منى أنه ظل متحررا من مفعول «المركزية» التى جرى تسويقها فى العالم العربى، إلا أن الأمر اختلف بعد إطلاق الشعار فى افتتاح قمة جاكرتا.

لست مازحا فيما أدعيه، لأن مختلف الأدلة والقرائن تؤيده. ولن أذهب بعيدا، لأن القمة الاستثنائية ذاتها تشهد به. ذلك أنه كان مقررا عقدها فى المغرب خلال شهر ديسمبر الماضى، إلا أنها اعتذرت عن استقبالها لأسباب لم تعلن، لكننا فهمنا من اعتذارها لاحقا عن استضافة القمة العربية انها لم تعد مقتنعة بجدوى العمل المشترك عربيا أو إسلاميا. أو كما قال بعض المعلقين المغاربة فإن الرباط أدركت أن شروط نجاح القمة ليست متوفرة فى العالم العربى، فضلا عن أن القرارات المصيرية التى تخصه أصبحت تتخذ خارج حدوده. ويبدو والله أعلم أن ذلك لم يكن رأى المملكة المغربية وحدها، ولكنه موقف بعض الدول العربية المهمة الأخرى. الدليل على ذلك أن القمة الإسلامية المفترضة لم ترحب بها أى عاصمة عربية، وحلت اندونيسيا الإشكال حين عرضت استضافتها.

افتتح هنا قوسا وأذكر بحالة مماثلة وقعت قبل ثلاثين عاما. ذلك أن نفرا من المثقفين والحقوقيين العرب تنادوا فى عام ١٩٨٣ إلى عقد مؤتمر لتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان. وحاولوا إقامة المؤتمر فى القاهرة أو فى أى عاصمة أخرى إلا أن طلبهم ووجه بالرفض. فما كان منهم إلا أن عقدوه فى العاصمة القبرصية ليماسول فى شهر ديسمبر من ذلك العام. وكان ذلك إعلانا ضمنيا عن الموقف السلبى للعواصم العربية إزاء قضية حقوق الإنسان.

صحيح أن عقدت قمة فلسطين والقدس فى جاكرتا ومن ثم نقل الملف إلى الفضاء الإسلامى لا يخلو من فائدة إعلاميا وسياسيا لأن اندونيسيا أكبر دولة إسلامية (سكانها ٣٠٠ مليون)، إلا أن العملية تقرأ أيضا من زاوية أخرى لها دلالتها التى لا ينبغى إغفالها. إذ هى من القرائن التى تؤكد تراجع أولوية القضية فى العالم العربى، الغارق فى مشكلاته القطرية الداخلية التى يقترب بعضها من الحروب الأهلية، ليس ذلك فحسب، لأن الأمر لم يعد مقصورا على الانكباب على الداخل، وإنما تزامن ذلك أيضا مع تعدد الاختراقات التى أحدثتها إسرائيل فى العالم العربى، ووصلت إلى حد ادعائها أنها صارت جزءا من تحالف الدول العربية السنية المحارب للإرهاب.

لو أن رؤساء الدول الإسلامية توافدوا على جاكرتا واصطفوا هناك كى يعلنوا عن دعمهم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس، لفهمنا وقلنا إنهم أرادوا أن يوجهوا رسالة إذكاء للوعى إلى العالم الإسلامى ولتعلقنا بوهم نقل القضية المركزية إلى ذلك العالم. لكنى حتى ذلك الوهم جرى استبعاده. لأن القمة لم يشترك فيها سوى الرئيس السودانى عمر البشير والرئيس المفترض محمود عباس. والمؤتمر لم يرأسه الرئيس الاندونيسى لكنه عقد تحت رعايته وخاطب أعضاءه من خلال وزير الخارجية، ورأس جلساته أحد أعضاء لجنة الشئون الخارجية فى البرلمان الاندونيسى. وفى غياب الرؤساء هبط مستوى التمثيل، فأوفدت مصر وزير الخارجية بدلا من رئيس الوزراء الذى كان مقررا أن يمثلها، وحضر نائب رئيس الوزراء التركى ورئيس الوزراء الليبى ورئيس مجلس الشورى فى سلطنة عمان، أما بقية الأقطار فقد قام وزراء الخارجية بتمثيلها.

لم أفهم لماذا عقدت القمة الاستثنائية أصلا خصوصا إن الرسالة فى تواضع تمثيل الدول الإسلامية كانت واضحة. وهو التواضع الذى حاول بيان القمة ان يرتقى به على المستوى اللغوى، لأن البيان الذى صدر عن المؤتمر ظل محتفظا بفصاحة بيانات القمم الحقيقية. الأمر الذى يعنى أن الثابت فى الموضوع هو اللغة فقط تشهد بذلك الإشارة إلى مركزية القضية. أما التوحش الإسرائيلى فى فلسطين والإصرار على اقتحام المسجد الأقصى وتهويد المدينة المقدسة، والالتزامات المطلوبة لتعزيز صمود الفلسطينيين فى القدس، فتلك غدت أمورا ثانوية لم ينشغل بها البيان مكتفيا بالعبارات الطنانة التى لا تقدم ولا تؤخر كما اننا شبعنا منها.

بعد ابتذال مصطلح القضية المركزية، ليتنا نتنازل عنه ونكف عن استخدامه، لان طموحنا الآن لم يعد يتجاوز مجرد رد اعتبار القضية وأخذها على محمل الجد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بلاها «مركزية» بلاها «مركزية»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt