توقيت القاهرة المحلي 20:39:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أن تطل من ثقب صغير

  مصر اليوم -

أن تطل من ثقب صغير

فهمي هويدي

مشكلة أن ترى العالم من حولك من ثقب صغير. والمشكلة الأكبر أن تحاكمه بناء على ذلك. هذه الرؤية عبر عنها الكاتب الوجودى الفرنسى هنرى باريوس فى رواية أصدرها عام 1918 باسم «الجحيم»، ظل بطلها كولن ولسون يراقب ما حوله من غرفة مغلقة فى فندق، مرة من ثقب الباب ومرة أخرى من ثقب فى الجدار. وإذ ظن أنه اكتشف العالم من حوله، فإنه لم ير شيئا من الحقيقة، وإنما ظل محكوما بالقدر الذى أتاحه له هذا الثقب أو ذاك.
فكرة الثقب هذه نشهدها فى العديد من ممارسات المجال العام، فى أوساط بعض المثقفين الذين يتعلق الواحد منهم بثقب ويرى منه ما حوله فيقدم لغيره صورة منقوصة أو شائهة. لكن ذلك الخطأ يتفاقم ويصبح خطرا حين يتعلق الأمر بالسياسيين لأن تلك الرؤية المنقوصة أو الشائهة تنبنى عليها فى هذه الحالة مواقف أو تتقرر سياسات تتعلق بمصائر آخرين.
سأوضح الفكرة أكثر من خلال استعادة نماذج من الحاصل فى مصر خلال الأشهر الأخيرة. ذلك ان بعض الحوادث التى وقعت ولم تعرف خلفياتها على وجه التحديد اتخذت ذرائع لإصدار قرارات استراتيجية مهمة لها تأثيرها المباشر على مصير الاستقرار فى البلد، ولأن تلك الحوادث كانت بمثابة الثقب الذى رؤى منه المشهد، فإن القرارات التى اتخذت بناء على تلك الرؤية أضرَّت بأكثر مما نفعت، وكان تأثيرها على الاستقرار وعلى المستقبل وخيما. تابعنا فى هذا الصدد ما سمعناه عن لقطات سياسية، بينها التقاء مسئول كبير فى الدولة مع أحد القيادات السياسية. وحسب الرواية فإنه بدا من حديث الأخير انه ينذر ويهدد، الأمر الذى اعتبره المسئول رسالة سلبية أدت فى النهاية إلى قلب المشهد الأوسع رأسا على عقب. وأيا كان رأينا فى مدى دقة الرواية أو صحة الرسالة، فإن صدورها عن شخص مع تجاهل كل الظروف المحيطة به، أو التاريخ الممتد وراءه، كان بمثابة التزام بحدود الثقب، لأن الأمر كان يمكن أن يختلف كثيرا لو رؤى المشهد على حقيقته سواء بالاطلال عليه من نافذة أوسع أو الوقوف عليه بعد فتح الباب على مصراعيه. ذلك ان النظر العاقل والمتوازن بل والرؤية الاستراتيجية الصائبة ترفض فكرة اختزال التاريخ فى لحظة. وحين يتعلق الأمر بتجمعات بشرية وتيارات فكرية أو سياسية عريضة فإن تقييمها وتحديد مصيرها لا ينبغى أن يكون مستندا إلى حوار اتسم بالانفعال فى لقاء ما، وإنما التقييم الصحيح يتم من خلال رصد أدبيات التيار وتراثه وخبرته التاريخية والاتكاء على الرؤية التى تعبر عن مؤسساته. أما التعجل باتخاذ قرارات استراتيجية بناء على انطباعات اللحظة وحدود الثقب فإنه يعد خطأ جسيما وتعجلا غير محمود، وفى هذه الحالة فإن شكوكا كثيرة تثار حول البراءة فى دوافع القرار، لأن احتمال التصيُّد والترصد يكون راجحا.
الحالة السورية تقدم نموذجا ناصعا يوضح الفكرة التى أريد إيصالها. ذلك ان شرارة الغضب التى انطلقت من درعا فى شهر مارس من عام 2011 عبرت عن ضيق بلغ ذروته بممارسات النظام البعثى الذى استبد وأذل السوريين منذ استيلاء الحزب على السلطة فى ستينيات القرن الماضى. وحين تناثرت شرارات الغضب فى أنحاء البلاد فإن الشعب السورى انتفض متشجعا بأجواء الربيع العربى التى لاحت آنذاك وطالب بإسقاط النظام. وانحازت بعض عناصر القوات المسلحة إلى جانب الشعب، من خلال ما عرف لاحقا باسم الجيش السورى الحر. ومع انتشار الثورة فى أنحاء البلاد ظهرت فى ساحة المقاومة جماعات أخرى تحت مسميات مختلفة وقدمت نفسها باعتبارها صدى لها وشريكا فيها. بعض تلك الجماعات ارتكبت أخطاء وأقدمت على ممارسات لطخت وجه الثورة، حتى ثارت شكوك كثيرة حول دور أجهزة مخابرات النظام البعثى فى تشكيلها بما تتمتع به من دهاء وخبرة فى الافساد والقمع. أقدمت بعض تلك الجماعات على ارتكاب فظائع تمثلت فى قطع الرءوس وقهر النساء ونبش القبور واضطهاد الأقليات. وروجت من حولها شائعات من قبيل ما سمى بجهاد النكاح. إلى غير ذلك من الممارسات المفجعة والصادمة، التى جذبت إليها الأنظار وصرفتها عن حقيقة الثورة وجوهرها. رغم أنها كانت استثنائية ومحدودة، وبعضها شائعات لا أصل لها (مثل جهاد النكاح).
فى الوقت الراهن صارت مشكلة الثورة السورية ان كثيرين أصبحوا يرونها من خلال الممارسات الشاذة والصادمة، التى باتت بمثابة الثقب الذى أصبحت الثورة تقرأ من خلاله. وصار جهد الذين انتفضوا لتخليص سوريا من حكم البعث منصبا على اقناع كل من له صلة بالموضوع بأن هناك قضية أكبر كثيرا من تلك الممارسات المرئية عبر الثقب. وهى التى أفاد منها النظام إلى أبعد مدى، باعتبار ان استمراره أصبح خيارا مفضلا بعدما صار أقل سوءا مما تبشر به تلك المجموعات التى طرأت على المشهد.
لست أنكر أن ما يرى من الثقب يظل جزءا من الحقيقة، لكننى أزعم أن السياسة الرشيدة ينبغى أن تتجنب الإطلال من الثقوب والزوايا الضيقة، لأن فتح النوافذ والأبواب وحده الكفيل بتصويب النظر والإطلال على الحقيقة بما ينصفها ولا يزورها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أن تطل من ثقب صغير أن تطل من ثقب صغير



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt