توقيت القاهرة المحلي 21:02:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليست هذه أم الدنيا

  مصر اليوم -

ليست هذه أم الدنيا

فهمي هويدي
حماس لم تخسر شيئا، فالطعنة أصابت مصر السياسة كما أصابت مصر القضاء، إذ صار القرار نقطة سوداء فى تاريخ الاثنين، وبمقتضاه انضمت مصر إلى إسرائيل فى اعتبار أهم فصيل فلسطينى مقاوم منظمة إرهابية. لم يجرؤ السادات المتصالح على ان يفعلها. ولا أقدم عليها مبارك كنز إسرائيل الاستراتيجى. ولكن ذلك حدث ــ صدق أو لا تصدق ــ فى ظل ثورة انقلبت على تراث الاثنين، وليس ذلك أعجب ما فى الأمر، لأن ما هو أعجب ان حماس التى لم يثبت عليها تدخل لها قبل الثورة ولا بعدها أصبحت محظورة فى مصر، فى حين أن إسرائيل التى تضبط متلبسة بالتجسس على مصر بين الحين والآخر، صارت مؤمَّنة فيها ومحظوظة. ليس فى المشهد بمفارقاته المذهلة أى هزل، ولا يتصور عاقل فى البلد أنه ينتمى إلى الجد. من ثم لا بديل عن اعتباره عبئا خارج المعقول ومنتميا بالكامل إلى اللامعقول. أتحدث عن الصدمة التى تلقيناها فى ذلك الصباح (الثلاثاء 4/3)، حيث نعى إلينا الناعى أن محكمة للأمور المستعجلة فى القاهرة أصدرت قرارا بحظر حركة حماس فى مصر والتحفظ على أموالها. وفى خلفية الخبر ان أحد المحامين تقدم بدعوى إلى المحكمة بهذا الخصوص، وأنه قدم حافظة مستندات أيد بها دعواه، ذكر فيها أن حماس شاركت فى الأعمال الإرهابية. واقتحمت السجون وقتلت ضباط الشرطة بمشاركة الإخوان إبان ثورة 25 يناير، وأرفق الرجل بدعواه اسطوانة مدمجة بينت الجناح العسكرى للحركة وهو يتدرب على الأعمال الإرهابية (!!). لم يكن الكلام مفاجئا تماما. لأن أجواء التسميم والكراهية التى خيمت على الفضاء المصرى خلال الأشهر الماضية تخللتها ادعاءات من ذلك القبيل، تعددت مصادرها والتقت عندها مصالح أطراف عدة. وهذه تكفلت بإطلاق حملة ضارية من الشيطنة روجت لها الأبواق الإعلامية طوال تلك الفترة. ونجحت فى قلب الصورة وتشويه إدراك قطاع عريض من الناس، بعدما صورت حماس باعتبارها عدوا وخطرا يهدد أمن مصر ويتطلع إلى التمدد فى سيناء. فالذين كرهوا الثورة وأرادوا التشكيك فى دوافعها بدعوى أنها مؤامرة حاكتها قوى خارجية أشاروا إلى حماس. والذين أرادوا ان يغسلوا أيديهم من جرائم القتل والقنص التى وقعت أثناء الثورة (عام 2011) وجهوا أصابع الاتهام إلى حماس، بعدما أشار تقرير لجنة تقصى الحقائق الذى أعد بإشراف قضائى نزيه (ترأس اللجنة المستشار عادل قورة رئيس محكمة النقض الأسبق) إلى مسئولية الأجهزة الأمنية عن تلك الجرائم، ولم يشر التقرير بكلمة إلى دور حماس فيها ولكن تلك الأجهزة تجاهلت التقرير وأعادت كتابة تاريخ تلك المرحلة على هواها، ومن ثم علقت جرائم على «شماعة» الحركة. والذين كرهوا الفلسطينيين لأن مجرد وجودهم شاهد على جريمة اغتصاب وطنهم، كانت لهم أيضا مصلحة أكيدة فى توجيه الطعنات إلى حماس. والذين كرهوا المقاومة واعتبروا ان وجودها يعطل مشروعهم الاستسلامى أدركوا أن شيطنة الفصيل المقاوم تفسح الطريق لتحقيق مسعاهم. والذين أزاحتهم الحركة من القطاع فى عام 2006 لم ينسوا ثأرهم ولم يتوقفوا عن الكيد لها بحصارها ومحاولة الإطاحة بها وتصويرها باعتبارها خطرا على مصر. والذين حرصوا على أن تنفض القاهرة أيديها من القضية الفلسطينية عملوا على توسيع الشقة وإذكاء الخصومة بينها وبين المقاومة، ومن ثم شجعوا الجفاء مع أهم فصائلها. أخيرا فإن الذين كرهوا الإخوان لم يغفروا لحماس صلاتها الفكرية والتاريخية بهم، فضموها إلى حملة الاستئصال والإبادة السياسية. كل هؤلاء يقفون وراء الحملة التى كان الحكم الأخير أحد حلقاتها ومثَّل سهما أصاب سمعة مصر بأكثر مما أضر بحماس. ذلك ان الحركة ليس لها أنشطة ولا أية مقار فى مصر، الأمر الذى يعنى أن القرار الصادر كان مجرد فرقعة سياسية ليس أكثر. تستمر الدهشة ــ الصدمة ان شئت الدقة ــ حين تلاحظ أن الحكم صدر عن محكمة للأمور المستعجلة الأمر الذى يمثل إهدارا لأبسط قواعد القانون ومقتضياته. حتى أزعم أن مجرد نظر القضية على ذلك المستوى أساء إلى القضاء أيما إساءة. ذلك أن الموضوع برمته ليس من اختصاص القضاء المدنى وإنما هو من اختصاص القضاء الإدارى. وحتى إذا صح الاختصاص فالقضية لا تنطبق عليها شروط الاستعجال المقررة قانونا. ذلك ان أى طالب فى كلية الحقوق يعرف أن القضاء المستعجل يختص بالطلبات الوقتية التى تتعلق بحق متنازع عليه يخشى ضياعه أو اقتضاؤه. يعرف طالب الحقوق أيضا أن ذلك القضاء ليس له أن ينظر فى الموضوع، وإنما هو يقضى فقط فى الطلبات الوقتية استنادا إلى ما هو ظاهر من الأوراق المقدمة إليه. ما جرى عصف بكل ذلك. فالمحكمة قضت فى أمر لا ولاية لها عليه. ولا وجه للاستعجال فيه، ثم انها ذهبت إلى ما هو أبعد وأصدرت حكما فى الموضوع. وهو ما يمثل إهدارا للقانون وإساءة إلى القضاء أيضا، ويعد نموذجا للتداخل بين القضاء والسياسة تمنيت أن يستثير غيرة نادى القضاة، ويستحق منه موقفا حازما إزاءه. ليست هذه هى الشقيقة الكبرى ولا أم الدنيا. وإذا كنت لا أعرف الجهة المسئولة عن تلك الإساءات التى أهانت مصر وقضاءها. إلا أننى أعرف أننا لا يمكن أن ننسبها للثورة أو إلى الضمير الوطنى الذى يعرف قيمة هذا البلد ويدرك مسئولياته الوطنية والقومية. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليست هذه أم الدنيا ليست هذه أم الدنيا



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt