توقيت القاهرة المحلي 21:02:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من حقوقنا المهدورة

  مصر اليوم -

من حقوقنا المهدورة

فهمي هويدي
أعلنت الحكومة الإسبانية أنها بصدد تصحيح خطأ تاريخى بإقرار مشروع قانون يرمى إلى تجنيس احفاد اليهود الشرقيين (سفارديم) الذين تم طردهم من إسبانيا قبل أكثر من خمسمائة عام، جاء ذلك على لسان وزير العدل البرتو رويز جالاردون أثناء لقائه فى مدريد مع ممثلين عن بعض الجمعيات اليهودية الأمريكية الذين حدثوه فى الموضوع، مشجعين الحكومة الإسبانية على أن «تكمل جميلها» بعدما اعتذرت لليهود عن الطرد الذى تعرضوا له فى عام 1492م حين صدر أمر ملكى بطرد كل من يرفض اعتناق الكاثوليكية، وفى خطوة تالية سمحت الحكومة الإسبانية لكل يهودى شرقى يثبت أن أجداده كانوا مقيمين فى إسبانيا قبل ترحيلهم عنها بأن يتقدم للحصول على جنسيتها. لكنها اشترطت فى هذه الحالة ان يتنازل عن الجنسية الأخرى التى يحملها. وقد حرص ممثلو الجمعيات اليهودية الأمريكية على الإعراب عن حفاوتهم وتقديرهم لإقدام الحكومة على إلغاء ذلك الشرط الذى حذف من مشروع القانون الجديد المعروض على البرلمان. ليس معروفا عدد اليهود الشرقيين الذين سوف يستفيدون من القانون المقترح، إلا أن ثمة تقديرات تتحدث عن ان عددهم نحو ثلاثة ملايين يهودى، فى حين ان الحكومة الإسبانية قدرت عدد الذين لا يزالون يتحدثون باللهجة اليهودية الإسبانية المسماة «لادينو» بنحو 250 ألف شخص فقط. استوقفنى الخبر الذى وقعت عليه فى بداية الأسبوع الحالى، واستلفت نظرى فيه ذلك الجهد الذى تلح عليه الجمعيات اليهودية الأمريكية للدفاع عن أولئك الذين تعرضوا للاضطهاد قبل خمسة قرون. وما همنى فيه أنه يعيد إلى أذهاننا ما حل بالمسلمين فى تلك الفترة، لأن القرار الملكى لم يستهدف اليهود أساسا، ولكن أريد به انهاء وجود المسلمين الذين فتحوا الأندلس وحكموها طوال ثمانية قرون تقريبا. خلالها تزاوجوا وتناسلوا ودخل فى الإسلام خلق كثير، فضلا عن أنهم أقاموا دولة ناهضة ونموذجا حضاريا رفيعا لاتزال شواهده باقية إلى الآن، خصوصا على الصعيدين الثقافى والعمرانى، المسلمون هم الذين كانوا يحكمون «الأندلس» وهم الذين هُزِموا أمام جيوش الكاثوليك بقيادة الملك الفونسو وزوجته ايزابيللا. لذلك عمدت الكنيسة الكاثوليكية إلى استئصالهم من البلاد وإزالة كل أثر لهم، الأمر الذى عرضهم لصور مختلفة من الاقتلاع والإبادة تشكل جرائم تاريخية كبرى لاتزال حاضرة إلى الآن فى كتابات الباحثين الإسبان والعرب (أحدث ما كتب عنها فى مصر كان رواية الدكتورة رضوى عاشور ثلاثية غرناطة). ما تعرض له المسلمون كان أضعاف ما حل باليهود، الذين كان حظهم التهجير والطرد، فلم يجدوا مأوى لهم إلا فى رحاب الدولة العثمانية، حيث اتجهت أعداد منهم إلى تركيا بينما اختار آخرون ان يستوطنوا المغرب وتونس، أما المسلمون فإن اقتلاعهم استغرق أكثر من مائة عام ومر بمراحل عدة، بدأت بمحاولة تنصيرهم وإجبارهم على تغيير اسمائهم وتحويل كل مساجدهم إلى كنائس ومصادرة أوقافهم، ولما فشلت العملية تقرر تخيير المسلمين بين التنصير أو التهجير أو القتل. فهاجرت أعداد منهم إلى بلاد المغرب ولايزال أحفاد بعضهم يحتفظون حتى الآن بمفاتيح بيوتهم ــ على غرار الفلسطينيين ــ وهؤلاء تعرضوا لأهوال كثيرة فى محاولتهم الهجرة. إلا أن العذاب الأكبر كان من نصيب من قرروا البقاء والتفوا على قرارات الكنيسة بأن أظهروا تنصرهم فى العلن فى حين ظلوا متمسكين بدينهم فى السر. وقد وصفهم الإسبان بالموريسكيين، حيث كان يطلق على المسلمين العرب بأنهم «المور» (موريتانيا مشتقة من الاسم وكذلك موروكو ــ المغرب ــ وجزيرة موريشيوس وجبهة تحرير مورو وهم المقاومون المسلمون فى جنوب الفلبين التى فتحها الإسبان وأطلقوا الاسم على منطقة تجمع المسلمين هناك) ــ الموريسيكون هؤلاء تعرضوا للمراقبة والملاحقة والتعذيب الذى يشكل صفحة سوداء فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وهى التى انشأت لأجل اقتلاعهم محاكم التفتيش التى راقبت سلوكياتهم وتقاليدهم واطعمتهم وختانهم، ونصبت المحاكم والمشانق ومنصات التعذيب لكل من ثبت عليه منهم انه لايزال على دين الإسلام. فأفلت منهم من أفلت، واحتمل العذاب من احتمل، واضطر إلى الهجرة من ضاقت بهم سبل الحياة وعجزوا عن البقاء فى ظل أجواء الرعب المخيمة. ما يهمنى فى الأمر أن ما أصاب اليهود بعد سقوط ممالك المسلمين فى الأندلس لم يتجاوز حدود التهجير القسرى، أما ما حل بالمسلمين الذين قدر عددهم بمليون شخص فقد كان أفظع من ذلك بكثير، وما أشرت إليه مما أصابهم بمثابة إيجاز مخل ومبتسر يسجل عنوان الصورة دون تفاصيلها وبشاعاتها. مع ذلك فقد اعتذرت الحكومة الإسبانية لليهود ولم تعتذر للمسلمين. وسمحت لأحفاد اليهود بالعودة واكتساب الجنسية ولم يتحقق ذلك بالنسبة للمسلمين. علما بأن أحفاد المهجرين إلى المغرب من مسلمى الأندلس (الموريسيكيون) يقدر عددهم الآن بنحو أربعة ملايين شخص، وهؤلاء لايزالون واعين بأصولهم وقد عقدوا فى عام 2002 مؤتمرا طالبوا فيه بحقوقهم ومساواتهم بما اتخذته حكومة مدريد من إجراءات تخص اليهود. المفارقة مسكونة بملامح العبث المفرط، فاليهود الذين تقف وراءهم دولة تضم 9 ملايين نسمة، (مليونان منهم عرب) أخذوا حقوقهم. والمسلمون الذين تقف وراءهم أمة ضمت نحو مليار ونصف مليار نسمة يتوزعون على 57 دولة، لم يستردوا شيئا من حقوق إخوانهم، واليهود المطرودون من إسبانيا منذ خمسة قرون اكتسبوا حق العودة إليها، فى حين أنهم قبلوا بطرد الفلسطينيين من بلدهم ويستكثرون عليهم ان يطالبوا بحقهم فى العودة، انها الهمّة وموازين القوة التى تهدر الحق والمنطق والأخلاق. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من حقوقنا المهدورة من حقوقنا المهدورة



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt