توقيت القاهرة المحلي 14:17:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ديكورات الديمقراطية

  مصر اليوم -

ديكورات الديمقراطية

فهمي هويدي

لم يخطئ أى من الرجلين: لا من قال إن المجلس القومى لحقوق الإنسان مجرد «ديكور»، ولا من قال إن حقوق الإنسان فى مصر فى محنة. والوصف الأول أطلقه الأستاذ نجاد البرعى المحامى فى تبرير استقالته من عضوية المجلس المذكور، أما الوصف الثانى فقد جاء فى تعليق الأستاذ عبدالغفار شكر نائب رئيس المجلس على كلام الأستاذ البرعى. (جريدة الأهرام ــ 30/1/2014)، والكلمتان لا تشخصان فقط أوضاع منظمات حقوق الإنسان وحدها، وإنما تسلطان الضوء على أكثر من أزمة مسكوت عليها. فالكلام ينطبق على معظم المنظمات العاملة فى مجال الحقوق والحريات، فضلا عن أنه ينبهنا إلى تجليات أزمة الديمقراطية المنقوصة أو المزيفة فى دول العالم الثالث. شواهد الأزمة ماثلة بين أيدينا ووقائعها لاتزال حية فى الذاكرة المصرية. ذلك أننا تابعنا خلال السنوات الثلاث التى أعقبت ثورة يناير كما هائلا من الانتهاكات، التى كانت منظمات حقوق الإنسان هى الغائب الأكبر عنها. وباستثناء جهود فردية متواضعة سجلت ووثقت بعض وقائع تلك الانتهاكات، فربما كانت آثارها قد محيت أو جرت صياغتها على نحو جديد يستجيب للأهواء والحسابات السياسية، وقد بلغت تلك الانتهاكات ذروتها خلال الأشهر السبعة الأخيرة التى وصل فيها عدد القتلى إلى أكثر من 2600 شخص، غير نحو 16 ألف مصاب وأكثر من 21 ألف معتقل. وحسب تقدير بعض المواقع المستقلة ففى الذكرى الثالثة للثورة وحدها ــ خلال يومى 24 و25 يناير ــ قتل 103 أشخاص، وألقى القبض على 67 من القُصّر الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما، كما وصلت أعداد السيدات والفتيات المعتقلات إلى أكثر من 60 واحدة. والشائعات كثيرة حول سوء معاملة الجميع فى داخل السجون والمعتقلات فضلا عن عذابات المرضى وكبار السن. إذا وضعت هذه الصورة الأخيرة جنبا إلى جنب مع الفظائع التى حدثت إبان فض الاعتصامات، ولاحظت الصمت المدهش من جانب المجلس القومى لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية الأخرى، فلن تخطئ إذا اعتبرت تلك المنظمات شريكة بالصمت فى مواجهة الجرائم والانتهاكات التى حدثت. وستقدر عاليا جهود الشرفاء الذين رفضوا التواطؤ على الصمت وبذلوا جهودا كبيرة فى حصر أسماء الضحايا وتوثيق حالاتهم، ودفعوا لقاء ذلك أثمانا غالية. فيما عدا ذلك، فإنك لن تستطيع أن تجد تفسيرا مقنعا لصمت المجلس القومى لحقوق الإنسان أو المنظمات الحقوقية الأخرى، ولا لسكوت المجلس القومى للمرأة أو الطفل، سوف تضم كل تلك الهياكل إلى سجل «الديكورات» المقامة لتجميل الوضع العام فى المحافل الدولية. لا أعرف كم تتكلف خزينة الدولة مقابل هذه «المنظرة»، لكنى قرأت فى الحوار الذى أجرى مع الأستاذ نجاد البرعى أن الميزانية السنوية للمجلس القومى لحقوق الإنسان وحده تقدر بـ51 مليون جنيه، وإذا أضفت إلى ذلك مخصصات المجالس الأخرى فسوق تكتشف مدى السَفَه الذى نمارسه لأجل التجميل أمام الأجانب. إننا حين نتعمق فى الأمر أكثر سنجد أن المشكلة ليست فقط فى عجز تلك الهياكل «الديكورية»، ولكنها أيضا فى الأنظمة السياسية التى تحرص على التجمل بأمثال تلك «الديكورات»، التى تخفى بها قبضتها على السلطة والمجتمع. وهو ما يثيره أساتذة الاجتماع السياسى ممن تحدثوا عن الديمقراطية المعدلة التى تقيمها أغلب أنظمة العالم الثالث، حين تفصل بين الديمقراطية والليبرالية. وتلجأ فى ذلك إلى الحفاظ على الشكل عبر إقامة الهياكل الديمقراطية فى حين تصادر الوظيفة وتفرغ الديمقراطية من وظيفتها، وفى ظل هذا الوضع تتوافر للبلد كل مقومات الشكل الديمقراطى: الأحزاب السياسية والمجالس المنتخبة والمؤسسات التى ترفع رايات الاستقلال، من الجامعات إلى الإعلام مرورا بالقضاء، وصولا إلى المنظمات الحقوقية والمدافعة عن الحريات العامة...إلخ. إلا أن القرار النهائى والأخير يظل بيد السلطة المركزية صاحبة الأمر والنهى. قرأت تصريحا لوزير الداخلية المصرى ذكر فيه أن كل قسم شرطة به مكتب لحقوق الإنسان، وهو ما ذكرنى بلقاء عربى شاركت فيه قبل عدة سنوات، قال فيه مسئول تونسى إن نظام الرئيس (السابق) بن على يولى رعاية كبيرة لحقوق الإنسان، بدليل رعايته الخاصة للمنظمة الوطنية المعنية بهذه المسألة، ووجود مكتب لحقوق الإنسان فى كل وزارة وفى كل قسم شرطة، حينذاك لم أستطع أن أمنع نفسى من التعليق فقلت إن الشىء الوحيد الناقص فى هذه الصورة هو حقوق الإنسان ذاتها. إن المشكلة ليست فقط فى عجز وعدم فاعلية المنظمات الحقوقية وغيرها من الهياكل الديمقراطية ولكنها تكمن أساسا فى غياب الحريات العامة التى هى البيئة الأساسية التى تستدعى تلك المنظمات وتنعش دورها. وحين تصادر تلك الحريات تجف منابع الديمقراطية وتصبح تلك المنظمات مجرد لافتات وهياكل فارغة بلا دور أو قيمة. وللأسف فإن بعض النخب تستسلم للغواية وتقبل بالمشاركة فى الملهاة، ومن ثم لا تمانع من الانضمام إلى مكونات الديكور الديمقراطى. وهؤلاء يشاركون ليس فقط فى إماتة تلك المنظمات ولكن أيضا فى تزوير الديمقراطية ذاتها. لقد أحزننى ما قرأته على لسان الأستاذ عبدالغفار شكر فى جريدة الأهرام حين قال إنه لا يستطيع أن يطالب الحكومة المصرية بمنع القبض على المتظاهرين وبعضهم يحمل أسلحة وقنابل مولوتوف ويعتدى على الناس. ذلك أننى لم أتوقع من مناضل يسارى له تاريخه الحافل ان يحدثنا بلغة رجال الأمن بعد تعيينه نائبا لمجلس حقوق الإنسان. متجاهلا ان المتظاهرين الذين قتل منهم أكثر من مائة فى الذكرى الثالثة للثورة لم يحملوا سلاحا ولم يعتدوا على أحد، الأمر الذى جعله يتهم الضحية ويبرئ الجناة. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ديكورات الديمقراطية ديكورات الديمقراطية



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt