توقيت القاهرة المحلي 12:31:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فى وهم صناعة التاريخ

  مصر اليوم -

فى وهم صناعة التاريخ

فهمي هويدي

لدىَّ بضع كلمات بشأن الدستور، تعمدت تأجيلها إلى ما بعد الاستفتاء. تجنبا لإساءة التأويل والقيل والقال. هذه الكلمات أوجزها فيما يلى: • إن أى دستور هو وثيقة نخبوية بالدرجة الأولى، تتضمن المعالم الأساسية لمقومات المجتمع وشكل الدولة والعلاقة بين سلطاتها وضوابط الحقوق والواجبات والحريات، وغير ذلك مما يمكن أن يوصف بأنه حزمة إشارات عمومية تحدد اتجاهات السير، ولم يخطئ من وصفه بأنه بمثابة مجرد إعلان للنوايا، لم يقل أحد إنه يشكل نقلة نوعية لأى مجتمع، لكننا فى حملة تسويقه اعتمدنا على أن المواطن العادى المشغول بأموره المعيشية لن يكترث بقراءته، فبالغنا كثيرا فى تصويره وأوهمنا الناس بأنه باب سحرى سيحل لهم اجتيازه كل ما يعانون منه من مشكلات، فى الصحة والتعليم والإسكان...إلخ. ــ بل ذهبنا إلى ما هو أبعد وقال بعضنا ان التصويت لصالح الدستور هو «انتخاب للمستقبل»، وانه بمثابة كتابة تاريخ جديد للبلد. فى ايحاء بأن مصر بعده ستختلف عنها قبله. وذلك تزَّيد حمـَّل الدستور بأكثر مما يحتمل وأحاطه بهالة خادعة من الأوهام التى أريد بها دغدغة مشاعر الناس ومداعبة أحلامهم. • إن حياة الناس لا تغيرها الدساتير المكتوبة، ولكن تغيرها السياسات المتبعة والمؤسسات الفاعلة فى المجتمع. وعادة ما يضرب المثل فى ذلك بإنجلترا التى لا تملك دستورا مكتوبا، ولكنها محكومة بمجموعة القوانين التى أصدرها البرلمان، إضافة إلى المبادئ التى تم التوافق عليها واستقرت خلال الممارسة الديمقراطية. وللعلم فإن الدساتير المصرية التى صدرت منذ عام 1923 وحتى عام 2012 مرورا بدستور 1971 لم تكن سيئة وإن شابتها بعض النواقص شأن كل عمل بشرى. وعلى حد تعبير المستشار طارق البشرى فإن المشاكل التى عانت منها مصر قبل الثورة مثلا لم تكن ناشئة عن نواقص دستور عام 1971، ولكنها وردت كلها أو معظمها من أن الدستور لم يطبق ولم تنفذ أحكامه. • دون الدخول فى التفاصيل فإن الدستور الجديد يعانى من مشكلة بنيوية جوهرية، وهى انه وضع فى ظل خلل خطير فى ميزان القوى السياسية بالمجتمع المصرى المنقسم. ذلك اننا إذا سلمنا بأن إعداد الدساتير يعكس موازين القوة على أرض الواقع، فإن الضعف الشديد الذى يعانى منه المجتمع المدنى المصرى ظهرت آثاره فى مضمون الدستور، الذى تجاوز الحدود المتعارف عليها فى صياغة وتضخيم دور المؤسسة العسكرية. وكان ذلك تعبيرا أمنيا عن ميزات القوة فى الواقع الراهن، الذى تميل كفته بشدة لصالح تلك المؤسسة التى صارت الفاعل الأكبر فى الساحة السياسية. • إننى لم استرح لأمرين فى حملة التعبئة للتصويت على الدستور، الأمر الأول هو استخدام سلاح الفتاوى الشرعية سواء لإثناء الناس عن التصويت أو لتشجيعهم على ذلك. حيث أزعم أن ما قاله الطرفان لم يخل من افتعال وتزيد، لأن العملية لا علاقة لها بالحلال والحرام، حيث لا يوجد نص شرعى يحدد الحل أو الحرمة فيه. فالجميع يتصرفون فى دائرة الحلال إذا صدقت نواياهم، الذين قالوا «نعم» متصورين أنهم بذلك يسهمون فى استقرار البلد، والذين قالوا «لا» تعبيرا عن سوء ظنهم بما يجرى، وحتى الذين قعدوا فى بيوتهم واختاروا المقاطعة لحسابات معينة قدروها. فتلك كلها مواقف تدور فى فلك الخطأ والصواب، وليس لها علاقة بالحلال والحرام. الأمر الثانى الذى استنكرته هو دخول القوات المسلحة على الخط فى حملة الدعاية وحث الناس على التصويت. ذلك أننى إذا كنت قد فهمت مشاركتها فى تأمين العملية باعتبار ذلك من قبيل الحفاظ على أمن البلد، فى ظروف لا تستطيع الشرطة أن تتحمل مسئوليتها وحدها، فإننى لم أفهم حملات الدعاية التى قامت بها إدارة التوجيه المعنوى التابعة للقوات المسلحة والسيارات التى أطلقتها داعية الناس للتصويت بنعم، ومكبرات الصوت التى استخدمتها فى بث أغنية «تسلم الايادى». الأمر الذى أعطى انطباعا بأنه دستور المؤسسة العسكرية وليس دستور المجتمع المصرى. • إن الجهد الذى بذل للدعاية للدستور والتهليل له كان أضعاف الجهد الذى بذل لمناقشته. وللعلم فإن الإعلان الدستورى الذى صدر فى 9 يوليو 2012 نص فى المادة 29 منه الخاصة بالتعديلات الدستورية على ان لجنة الخمسين التى كلفت بإجراء التعديلات «تلتزم» بإنجاز مهمتها وإجراء الحوار المجتمعى حول التعديلات المقترحة خلال 60 يوما، وقد اغنانا السيسى حين ذكر فى التسريبات المنسوبة إليه أن اللجنة تحايلت ولم تجر التعديلات وقامت بوضع دستور جديد (بعد الموعد المحدد). إلا أن ملاحظتى تنصب على أن لجنة الخمسين لم تجر الحوار المجتمعى الذى ألزمت به. ولم تتحرك إلا بعد صدور المشروع وعرضه على الاستفتاء العام. وتولت قياداتها الدعاية للدستور فى مهرجانات صاخبة. من ثم فإنه بدلا من مناقشته بشكل جاد فى جلسات الحوار التى تنير الرأى العام وتقنعه. فإن الحديث عنه صار فقرة فى سيرك السياسة. متبوعة بوصلات غنائية وراقصة. وكانت النتيجة اننا استمعنا إلى الزغاريد وهتافات نجوم السينما والغناء والرياضة بأكثر مما تلقينا من ملاحظات الباحثين والمتخصصين. حتى التبس علينا الأمر، فلم نعرف حدود الجد والهزل فيه. لقد باعوا لنا الترام كما تقول القصة المشهورة، والمشكلة ان ذلك لا يسمح لنا بدخول التاريخ من أى باب، كما انه يجدد طرح السؤال الكبير: إلى أين نحن ذاهبون؟ نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فى وهم صناعة التاريخ فى وهم صناعة التاريخ



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt