توقيت القاهرة المحلي 21:02:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نداء مشكوك فى احتذائه

  مصر اليوم -

نداء مشكوك فى احتذائه

فهمي هويدي
هل يمكن أن نقيم عازلا بين الخلافات السياسية بين الأنظمة والحكومات وبين انسياب العلاقات بين الشعوب الشقيقة؟ السؤال من وحى نص نداء تلقيته من الجزائر موقعا من أكثر من 1500 شخص من المثقفين والأكاديميين الجزائريين والمغاربة دعوا فيه إلى «اعتبار المسار المغاربى مسألة جوهرية، وعدم ربطه بشرط فض الخلافات السياسية، والكف عن تأليب الشعبين ضد بعضهما البعض بالمزايدات والشحن الإعلامى، مع العمل على تسوية المشكلات القائمة بين البلدين بحكمة ووفق المصالح المشتركة». القضية بعيدة عن أذهان كثيرين من أهل المشرق، الذين لا يذكرون على الأغلب ان الحدود مغلقة بين الجزائر والمغرب منذ عشرين عاما وهما أكبر بلدين فى الاتحاد المغاربى (عدد السكان فيهما يربو على 70 مليون نسمة). وسبب الأزمة راجع فى ظاهره إلى عوامل عدة على رأسها قضية الصحراء التى تتبناها جبهة «البوليساريو» المؤيدة من قبل الجزائر، والداعية إلى انفصال منطقة الصحراء واستقلالها عن المملكة المغربية. وخلال العقدين الماضيين خيم التوتر جراء ذلك على علاقات البلدين، الأمر الذى انتهى إلى إحداث الخصومة والقطيعة بينهما، فى حين أن التداخل والوشائج التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الشعبين أقوى منها مع أى شعب آخر فى المنطقة. ليس فقط على صعيد المصالح المشتركة (يخسران سنويا ما يزيد على 10 مليارات دولار بسبب القطيعة) ولكن أيضا على صعيد التداخل السكانى (الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة من مواليد مدينة وجدة المغربية) علما بأن القبائل العربية والامازيغية منتشرة على الجانبين. مثقفو البلدين انخرط بعضهم فى التجاذب فى حين أن البعض الآخر نأى بنفسه عن ذلك، وهؤلاء الأخيرون كنا نسمع انتقاداتهم وأصواتهم فى مناسبات عدة، معبرة عن الضيق بالقطيعة والاستياء من تداعياتها، بل والتشكيك فى دوافع استمرارها. ما يقوله المثقفون الجزائريون فى ذلك كنا نسمعه من نظرائهم المغاربة، وعلى حد علمى فإن بعض مثقفى المغرب طرحوا فى العام الماضى فكرة تنظيم مسيرة عربية تكسر الحاجز وتخترق الحدود مع الجزائر (طولها 1560 كيلومترا) لإعادة اللحمة وتأكيد رفض استمرار القطيعة المرذولة، وتمنى هؤلاء على مصر أن تتقدم تلك المسيرة وتقودها باعتبارها الشقيقة الكبرى، وكنت أحد الذين اشتركوا فى مناقشة الاقتراح، إلا أن الظروف التى يعرفها الجميع حالت دون إخراجه إلى حيز التنفيذ. لا أستبعد ان يكون المثقفون فى البلدين قد يئسوا من مساندة المشارقة لموقفهم، فقرروا أن يأخذوا زمام المبادرة، ويسجلوا ذلك الموقف فى النداء الذى حمل توقيعات الرموز الثقافية فى البلدين. فى ندائهم انتقدوا تردى علاقات البلدين وسيرها «من سىء إلى أسوأ»، كما انتقدوا «الطابع التسلطى لنظام الحكم المعتمد بعد الاستقلال، إضافة إلى غياب المبادرات المستقلة لدى المثقفين والمجتمع المدنى فى البلدين». ولاحظوا أنه «كلما كانت هناك بوادر للانفراج بين الدولتين إلا ووقع إجهاضها». فى تشخيص الواقع ذكر النداء «أن الوضعية التى نعيشها اليوم هى وضعية غير معقولة، تكتسى طابعا عارضا لا يمكنه أن يسد الآفاق الواعدة، ولا أن يحجب الحاجة الملحة إلى بناء فضاء مغاربى مستقر، ينعم فيه الشعبان بالازدهار والحرية». السؤال الذى طرحته فى البداية كنت قد سجلت ردى عليه بالايجاب فى كتابات سابقة، تمنيت ألا تختزل فيها الأوطان فى أشخاص أو أنظمة. وناديت بالتخلى عن فكرة التعامل مع الأقطار بحسبانها قبائل ملحقة بكبيرها، وتمنيت ألا يلقى الخلاف السياسى بظلاله الكئيبة على مسارات الأنشطة الأخرى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومن جانبى بادرت إلى تنفيذ الفكرة حين «تهورت» قبل ثلاثين عاما وقمت بالذهاب إلى إيران لإعداد كتابى عن ثورتها فى عز خصومة السادات لها، ودفعت ثمنا لذلك حين عاقبنى الرئيس بوضع اسمى على رأس المستبعدين من جريدة الأهرام عام 1979. المثقفون الجزائريون والمغاربة الذين أطلقوا النداء لم يسجلوا موقفهم المستقل عن سياسة الحكومات فحسب، ولكنهم أيضا أثبتوا ولاءهم لأمل شعوبهم فى العيش المشترك الذى ينعم فيه الجميع بالازدهار والحرية، أعنى أنهم كانوا معبرين عن ضمير مجتمعهم وليسوا أبواقا لحكوماتهم. وتلك لعمرى بادرة جديرة بالحفاوة والتشجيع والاحتذاء. وإذ أتمنى أن يحققوا مرادهم، إلا أننى لست واثقا من أننا يمكن أن نصدر نداء مماثلا نجمع فيه توقيعات الغيورين من المثقفين والأكاديميين المصريين مع أقرانهم الأتراك والإيرانيين والسوريين والقطريين والفلسطينيين، يدعو إلى تصفية الحسابات السياسية ومعالجة ملفاتها بعيدا عنهم، وبمعزل عن روابط شعوبهم ومصالحها. وهى فكرة ألقيها وانسحب بسرعة، لأن أجواء الاحتقان والاستقطاب جرفت مثقفينا وألحقت أغلبهم بفصائل العراك السياسى، بحيث باتت الدعوة إلى الدفاع عن العلاقات مع الأشقاء وعن حلم الوحدة المشترك، تهمة تصم صاحبها بالعمالة والإرهاب والتخابر والعياذ بالله. إن البعض عندنا صاروا يتحدثون بجرأة عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن الدعوة إلى تطبيع العلاقات مع الأشقاء صار يتطلب حذرا ولا يخلو من مغامرة! نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نداء مشكوك فى احتذائه نداء مشكوك فى احتذائه



GMT 12:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:21 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 12:20 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 11:53 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 11:52 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 11:51 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt