توقيت القاهرة المحلي 14:17:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفائزون والخاسرون فى الدستور

  مصر اليوم -

الفائزون والخاسرون فى الدستور

فهمي هويدي

لم يتح للمصريين أن يتابعوا مناقشات لجنة الدستور التى تمت فى غرف مغلقة إمعانا فى «الشفافية»، إلا أن المصادفة وحدها كشفت عن جوانب دالة لبعض ما جرى وراء أبواب تلك الغرف. وشاءت المقادير أن يتعلق الكشف بالمادة المتعلقة باشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، وهو النص الذى ابتدعته لجنة الخبراء العشرة التى شكلها رئيس الجمهورية للنظر فى التعديلات المقترحة على دستور 2012 المعطل، ولم يكن هناك تفسير للزج بذلك النص سوى أنه جاء عاكسا لموازين اللحظة التاريخية التى شكلت فى ظلها اللجنة، إذ طالما أن وزير الدفاع هو الذى استدعى رئيس المحكمة الدستورية ونصَّبه رئيسا للجمهورية فربما بدا أنه من غير المستساغ أن ينص الدستور الصادر فى الظروف ذاتها على أن يكون رئيس الجمهورية هو من يعين وزير الدفاع، شأنه فى ذلك شأن بقية الوزراء. وكنت أحد الذين تمنوا على العناصر «الليبرالية» فى اللجنة أن يقوموا بتصويب ذلك الوضع الشاذ لكى يتفق مع ما هو معمول به فى الدول الديمقراطية. والذين أحسنوا الظن تصوروا أن أولئك الليبراليين سيكملون جميلهم وسيقومون بإلغاء النص الذى يجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية (المتداول أن 12 ألف شاب مصرى حوكموا أمام تلك المحاكم فى ظل وجود المجلس العسكرى)، كما أنهم سيعالجون أمر الوضع الخاص بميزانية القوات المسلحة، التى تحجب تفاصيلها عن مجلس الشعب. إلا أن تلك الآمال تراجعت بمضى الوقت إلى الحد الذى انتهى بإقرار وتمرير كل ما تمنينا تعديله. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأننا فوجئنا بما هو أشد وأنكى. ذلك أن المحررين البرلمانيين فوجئوا قبل جلسة التصويت النهائى بأن نص اشتراط موافقة مجلس القوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع أضيفت إليه كلمة واحدة بحيث اشترط موافقة المجلس المذكور الذى يرأسه وزير الدفاع ليس على تعيينه فقط وإنما على عزله أيضا. وهو ما يعنى رفع يد الدولة المصرية تماما عن الموضوع، وإعلان القوات المسلحة مؤسسة شقيقة مستقلة لا سلطان للدولة المصرية عليها. جريدة «الشروق» روت أمس الأحد 1/12 تفاصيل القصة، فذكرت أن بعض أعضاء اللجنة فوجئوا بالتعديل وذكروا أنه لم يعرض عليهم. فى حين دافع عنه الأخ محمد سلماوى المتحدث باسم اللجنة، ونقلت الصحيفة عنه قوله إن ذلك أمر منطقى. إذ من غير المعقول أن يكون تعيين وزير الدفاع بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم يكون العزل بغير موافقتهم، أضافت الصحيفة أن شخصا همس فى أذن سلماوى ونقل إليه تصريحا للسيد عمرو موسى رئيس اللجنة قال فيه إن تلك المادة لم يتم إقرارها، الأمر الذى عاد وكرره صاحبنا فى تعليق له! أثناء كتابة هذه السطور لم تكن اللجنة قد انتهت من التصويت على بقية مواد الدستور الجديد الذى وضعته، متجاوزة فى ذلك الإعلان الدستورى الذى نص على تعديل وليس إنشاء الدستور كما ذكرت أمس، إلا أنه من الثابت حتى الآن أن القوات المسلحة هى أكبر الفائزين به، حيث تحقق لها ما أرادت، فى حين أن الإخوان والأحزاب الإسلامية هى أكبر الخاسرين، بعد النص على حظر الأحزاب ذات المرجعية الدينية. (للعلم فى السويد حزب إسلامى منذ عام ١٩٩٩). هذه النتيجة لا تفاجئنا، لأنها تعبير عن تفاوت ميزان القوى فى الوقت الراهن. الأمر الذى يفتح أعيننا على حقيقة لفت الأنظار إليها المستشار طارق البشرى فى كتابه «مصر بين العصيان والتفكك» ونبه فيه إلى أن الدستور بمثابة مرآة للأمر الواقع. وذكر أن دستور 1923 حين أتاح قدرا من التداول فى السلطة فإن دافعه إلى ذلك لم يكن تنظيما فقط، ولكن لأن المجتمع آنذاك كان فيه تعدد لقوى سياسية واجتماعية متبلورة فى تنظيمات وتكوينات مؤسسية. ولم يكن فى مكنة أى من هذه القوى أن تنفى الأخريات فى الواقع السياسى. ولو لم يكن التعدد معتمدا فقط على إتاحة الدستورية، وإنما كان يعتمد على الوجود الواقعى الفعال. ولو لم يكن هذا الواقع التعددى قائما لما صدر الدستور منظما للتداول فى السلطة. أضاف البشرى قائلا إن التوزيع القانونى والدستورى يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلى للقوى الاجتماعية والسياسية التى تتبلور فى شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات وجمعيات. وهو ما نفتقده فى مصر، حيث لا نكاد نجد فيها مثل هذه التكوينات، يستثنى من ذلك جهاز الدولة المصرى بتشكيلاته، وأفرعه المختلفة وجهاز الدولة ذاته تسيطر عليه إرادة شخصية فردية واحدة. وهو وضع ليست له سوابق كثيرة فى تاريخ مصر الحديث. حتى محمد على باشا حيث لم تكن له هذه السلطة الفردية إلا فى سنين قليلة. لقد نشرت دار الشروق هذا الكتاب فى سنة 2006، فى عهد مبارك، وهو لا يضيف أو يفسر الماضى فقط، لكنه يقرأ الحاضر أيضا. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفائزون والخاسرون فى الدستور الفائزون والخاسرون فى الدستور



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt