توقيت القاهرة المحلي 14:01:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السؤال الفضيحة

  مصر اليوم -

السؤال الفضيحة

فهمي هويدي
  هل يعقل أن يتساءل أحد فى هذا الزمان عما إذا كان يجوز تهنئة الأقباط بعيدهم أم لا؟ لست أستهجن الذين أفتوا بكراهية تهنئتهم أو حرمتها، لكننى أستهجن مبدأ طرح السؤال، لأنه يفضح المدى الذى بلغه التردى العقلى والفكرى الذى وصل إليه البعض، ممن اعتبروا أن بغض الآخر والارتياب فيه هو الأصل. فى الوقت ذاته فإننى أزعم أن الفتوى التى ذاع أمرها فى الآونة الأخيرة تعد فضيحة أكبر. ذلك أن السائل إذا كان من عوام الناس الذين اختل وعيهم الدينى، فإن المجيب يفترض فيه أنه من أهل العلم، وهو ما يصدمنا حقا ويفزعنا. لأنه إذا كان ذلك شأن بعض أهل العلم فما بالك ببسطاء الناس وقليلى البضاعة من العلم. ولا تقف الكارثة عند ذلك الحد، لأننى وجدت أن الأمر أخذ على محمل الجد، وتحول إلى موضوع للمناقشة بين من يؤيدون الفتوى ويعارضونها، كأننا بصدد نازلة استجدت فى هذا العصر، فحيرت (المجتهدين) الذين تراوحت آراؤهم بين الحظر والإباحة. فى حين أن المشهد كله ينطبق عليه قول الجاحظ. من حيث إنه يعبر عن (سقم فى العقل وسخف فى الرأى، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى). إننى لا أستطيع أن أفصل بين تلك الفتوى وحملة (تسميم الأجواء) الراهنة، التى نبهت إليها فى مرة سابقة. إذ لا أجد فرقا بين اصطياد بعض الصحف لنماذج المعتوهين والمختلين عقليا وإفراد الصفحات لآرائهم فى أمور الدين والدنيا، وبين أولئك الذين يروجون لأكثر الآراء شذوذا وتعارضا مع تعاليم الإسلام ومقاصده. وهؤلاء وهؤلاء لا يهينون الآخرين وينفرون الناس من الإسلام فحسب، لكنهم يهينون الإسلام ذاته من حيث إنهم يشوهون تعاليمه. وحين يحدث ذلك والإسلاميون فى السلطة، وثمة تعبئة ضدهم تطل من كل صوب وثمة انتخابات برلمانية آتية بعد أشهر معدودة، فإن سيناريو تسميم الأجواء يصبح واردا إن لم يكن مرجحا. قبل نحو ثلاثين عاما دعا أحد خطباء الجمعة فى حى الدقى بالقاهرة إلى عدم مصافحة المسيحيين أو إلقاء السلام عليهم. وهو ما انتقدته على صفحات جريدة الأهرام. وحينذاك اتصل بى هاتفيا الشيخ محمد الغزالى رحمه الله، وقال ضاحكا إن الرجل ينهى عن مصافحة المسيحى فى حين أن الإسلام أباح للمسلم أن يتزوج من مسيحيه، وأن يعيش الاثنان تحت سقف واحد، وينجبا أطفالا أخوالهم من المسيحيين. لكن أمثال أولئك «الجهال» يستكثرون على المسلم أن يصافح غير المسلم، ويستكثرون على المسلمين أن يعيشوا مع غير المسلمين فى وطن واحد. وختم كلامه قائلا: لا تضيع وقتك مع أمثال هؤلاء، لأنك لو تتبعت كلامهم فسوف تجد عجبا وسيشغلك ذلك عن الكثير مما ينفع الناس، وخير لك أن تخاطب العقلاء ولا تلق بالا لخطاب الحمقى. من جانبى اعتبرت الموضوع منتهيا وتصورت أننا تجاوزناه. لكننى أشرت إليه لاحقا فى كتابى الذى صدر فى عام 1985 تحت عنوان (مواطنون لا ذميون). إذ خصصت فصلا كان عنوانه (شبهات وأباطيل) تطرقت فيه لبعض الأفكار السلبية والملتبسة التى شاعت فى التعامل مع غير المسلمين. وكان منها الحديث النبوى، الذى رواه أبوهريرة ونقل فيه عن رسول الله قوله: (لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام. وإذا لقيتموهم فى طريق فاضطروهم إلى أضيقها). وهو الحديث الذى أثار جدلا بين الفقهاء عرضت خلاصة له فى الكتاب. وقد ناقشت الموضوع فى بضع صفحات كان عنوانها: إجراء استثنائى فى ظروف استثنائية. وقلت إن كلام النبى عليه الصلاة والسلام كان بمثابة تحذير للمسلمين صدر فى وقت اشتد فيه التآمر عليهم من جانب هؤلاء. ولعب المنافقون دورهم فى الوقيعة بين الطرفين. وخلصت إلى أن التوجيه النبوى (كان إجراءً مؤقتا أقرب إلى فكرة المقاطعة فى أعراف زماننا، لمواجهة سلوك محدد تعالت فيه البغضاء من بعض اليهود والنصارى). وفى غير ذلك فالأصل فى علاقة المسلمين بأصحاب الديانات الأخرى هو (البر والقسط) طبقا للنص القرآنى. علما بأن الرسول ذاته الذى أصدر ذلك التوجيه قد مات ودرعه مرهونة عند يهودى. وكنت قد أشرت فى السياق إلى النص القرآنى الذى يكفل الكرامة لكل بنى آدم بصرف النظر عن عقائدهم، وإلى واقعة قيام النبى عليه السلام ووقوفه حين مرت جنازة لميت أمامه. وحين نبهه أحد صحابته إلى أن الميت يهودى، فكان رده: أليست نفسا؟ من قراءتى للتاريخ وجدت أن الآراء التى تدعو إلى مخاصمة الآخرين وبغضهم تجد رواجها فى عصور البلبلة والانحطاط. ولاحظت أنها شاعت فى أواخر سنوات الامبراطورية العثمانية، التى منع فيها اليهود والمسيحيون من السير فى عرض الطرق (أطلق عليها نظام التطريق). وقد طبق فى لبنان حتى بدايات القرن الماضى. وقد أخافتنى تلك الملاحظة، لأننى فهمت أن تتردد الدعوة إلى عدم تهنئة المسيحيين فى أجواء البلبلة الراهنة، لكنى خشيت أن تكون تلك بداية لانجرارنا إلى مرحلة الانحطاط. نقلاً عن جريدة "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السؤال الفضيحة السؤال الفضيحة



GMT 09:24 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

أحمد عاطف ركب «التوكتوك» إلى مهرجان «كان»!

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عادل إمام سفير الحرافيش إلى القمة

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لا سعادة بلا حرية!

GMT 09:18 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الريس حنفي الإبستيني!

GMT 09:16 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صفقة الربع ساعة

GMT 09:14 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عمدة باريس

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لحظات حرجة

GMT 09:09 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الخديعة الكبرى

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم
  مصر اليوم - إطلالات أنيقة للنجمات خلال الحمل في شهر المرأة

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:34 2025 الثلاثاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

غاري نيفيل يتوقع استمرار محمد صلاح في الملاعب حتى سن 52 عاماً

GMT 21:20 2019 الخميس ,25 تموز / يوليو

سموحة يتعاقد مع الليبي محمد الترهوني

GMT 06:07 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

دراسة تشدد على أهمية قراءة القصص للأطفال

GMT 08:50 2024 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

موجة إصابات جديدة تضرب عدداً من لاعبي فريق الاتحاد

GMT 09:30 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt