توقيت القاهرة المحلي 01:27:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مشكلة مجتمع المتفجرين

  مصر اليوم -

مشكلة مجتمع المتفجرين

فهمي هويدي
هب أننا استجبنا للدعوات والنداءات التى ترددها بعض الكتابات الصحفية والبرامج التليفزيونية، فحكمنا على الرئيس محمد مرسى بالفشل وحملناه المسئولية عن قتل أطفال أسيوط، ونجحنا فى دفع رئيس الوزراء إلى الاستقالة، بعدما استقال وزير النقل وعزل رئيس هيئة السكك الحديدية، فهل نتوقع أن يوقف ذلك مسلسل الإهمال فى مصر؟.. أشك فى ذلك كثيرا، لأن المسألة اعقد من أن تعالج بقرارات إجرائية من ذلك القبيل. الدليل على ذلك ان حوادث القطارات مثلا اطاحت حتى الآن بثلاثة وزراء خلال السنوات العشر الأخيرة ولم يغير ذلك من الواقع شيئا. بل إن حادث احتراق أحد قطارات الصعيد الذى أدى إلى قتل نحو 400 مواطن ترتب عليه تقديم 11 مسئولا بهيئة السكة الحديد إلى المحاكمة، لكن المحكمة أصدرت حكمها ببراءتهم جميعا، فعادوا إلى مراكزهم وظل الحال كما هو عليه دون أدنى تغيير. إن أسهل شىء ان يتنافس البعض على كيل الاتهامات والدعوة إلى إعدام كل رموز السلطة أدبيا وسياسيا. وأزعم بأن كثيرين تحمسوا لهذه المهمة باعتبارها خيارا ميسورا بوسع أى أحد أن يلجأ إليه، إلى جانب أن ذلك يحقق للبعض هدفا يسعون إليه طوال الوقت وهو تصفية الحسابات السياسية والتاريخية، بصرف النظر عما إذا كان ذلك يحقق المصلحة الوطنية أم لا. أما الصعب حقا فهو أن ننحى المشاعر والحسابات الخاصة جانبا، ونفكر فى الموضوع من مختلف زواياه، لكى تحدد مسئولية السلطة والمجتمع، ولكى نعرف بالضبط ما إذا كان الخلل جديدا أو متجذرا وكامنا، وصلته أوثق بتجارب الماضى واخفاقاته. ان حوادث الطرق وفواجع السكك الحديدية لها تاريخ فى مصر، كما ان الاهمال صار عنوانا كبيرا لوصمة تلاحق الجميع، من مؤسسات السلطة إلى منظمات المجتمع إلى سلوكيات الأفراد. وإذا أخذنا مثلا كارثة أسيوط التى أدت إلى مقتل أكثر من خمسين طفلا فسنجد أن أجهزة الدولة أهملت فى تأمين المزلقانات (قرأت أن فى مصر 1470 مزلقانا بحاجة إلى تأمين)، وإن الخفير أو الحارس أهمل فى أداء واجبه (قيل إنه كان نائما)، وان جهاز الإدارة على مستوى المحافظة لم يكترث بالحفاظ على حياة المارة الذين يضطرون إلى عبور شريط السكة الحديد كل يوم. كما أن المجلس المحلى لم يؤد أى دور لا فى مراقبة أداء الجهاز الحكومى، ولا فى محاسبة المقصرين من قياداته. فى الوقت ذاته فإن الأهالى تعاملوا بسلبية مع ما اعتبروه خطرا يهدد حياتهم وحياة ابنائهم، فلم يغضبوا إلا حين وقعت الواقعة وحلَّت الكارثة. الخلاصة أنه فى مواجهة الخطر الذى ظل ماثلا أمام الجميع، فإن أحدا لم يتحرك، ووقفت كل الأطراف متفرجة عليه طوال الوقت. وهذه هى المشكلة الكبرى التى نواجهها فى مصر بعد الثورة، والتى تمثل تحديا كبيرا، مطلوب من النظام الجديد بكل أطرافه ان يتعامل معه، لكى يتحول الناس فى مصر من متفرجين إلى مشاركين ومن مستقبلين إلى مرسلين. وذلك يشكل أحد مفاتيح النهضة التى نكثر من الحديث عنها هذه الأيام، فنهتف لها ونلوك مفرداتها دون أن نقدم تصورا لمداخلها أو خريطة لإنجازها. إذا قلت إن المسئولية موزعة على مختلف الأطراف، فإن ذلك لا يعنى أنها موزعة بالتساوى بينها، وانما تظل السلطة هى المسئول الأول والأكبر عن رسم السياسات وتحديد الأولويات. وقد أردت فقط أن أنوه إلى أنها ليست المسئول الأوحد. بالتالى فإنه ليس من الانصاف أن نصوب إليها كل أصابع الاتهام، بل تعتبرها متهما أول، وتدرج فى قائمة الادعاء بقية المتهمين الذين رأوا الخطر بأعينهم وظلوا يتفرجون عليه منتظرين أن تتولى الحكومة الأمر وتحمل عنهم كل العبء. نحن إذن لسنا فقط بصدد حالة تقاعس اشترك فيه الجميع، وانما أيضا بصدد ثقافة سلبية ومنظومة قيم همَّشت دور المجتمع وارتضت له ان يظل متفرجا ومكتوف الأيدى، فضمرت لديه إرادة الفعل وقتلت الرغبة فى المبادرة، فانسحب وانزوى، ولم يَفِق إلا على مشهد الكارثة. وإذا صح ذلك فهو يعنى أنه لا سبيل إلى تحقيق الاستنفار المنشود، الذى يستدعى المجتمع إلى ساحة الفعل إلا من خلال الممارسة الديمقراطية الحقيقية الكفيلة بإخراج المجتمع من محبسه، وإشراك المواطنين فى بناء الوطن وحراسته. نقلاً عن جريدة "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشكلة مجتمع المتفجرين مشكلة مجتمع المتفجرين



GMT 07:12 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

ترامب يستعيد العراق من إيران…

GMT 07:11 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

GMT 07:10 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إيران أضعف والمطالب أشدّ

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

القاموس الجديد

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إبستين والحكومة السريّة العالمية!

GMT 07:07 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

GMT 07:05 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الدولة ونتنياهو... والفرص الضائعة

GMT 07:04 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026
  مصر اليوم - أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt