توقيت القاهرة المحلي 15:35:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما وراء حظر النشر

  مصر اليوم -

ما وراء حظر النشر

فهمي هويدي


يعذر المواطن المصرى إذا عبر عن عدم ارتياحه إزاء القرار الذى أصدره النائب العام بحظر النشر فى جريمة قتل المناضلة شيماء الصباغ. إذ رغم احترام المقامات والقرارات، فإنه يبدو من المستغرب وغير المفهوم أن يصدر القرار بعد مضى 18 يوما من وقوع الجريمة. ولأن الموضوع أصبح شاغلا للرأى العام طوال تلك الفترة. فلم يعد سرا أن التحقيقات قطعت شوطا بعيدا، خلاله لم تنجح محاولات تلبيس التهمة للأمين العام لحزب التحالف الاشتراكى الذى تصدَّر المسيرة المتواضعة التى حاولت أن تضع أكاليل الزهور على النصب التذكارى الذى أقيم فى ميدان التحرير لثورة 25 يناير. فى الوقت ذاته تجمعت القرائن الدالة على أن الشرطة هى التى أطلقت النار عليها وقتلتها. وهو ما أكدته صور الفيديو وشهادات الشهود. إذ حين ضاقت الدائرة ولم يعد هناك مفر من البحث عن القاتل بين رجال الشرطة الذين اعترضوا طريق المظاهرة يومذاك (24 يناير). من ثم فإن التحقيق انتقل من محاولة الإجابة على السؤال من قتلها من الذين تواجدوا بالميدان، إلى البحث عن القاتل بين رجال الشرطة أنفسهم ودون غيرهم. وحين وصلنا إلى هذه النقطة فوجئنا بقرار حظر النشر الذى صدر يوم الخميس الماضى 12 فبراير. ومن المصادفات التى لا تخلو من دلالة أنه فى نفس اليوم الذى صدر فيه قرار الحظر كانت عناوين الصفحة الأولى لجريدة «الوطن» كالتالى: ١٦ ضابطا ملثما أمام النيابة.. أحدهم قتل شيماء ـ مصادر: الفيديوهات التى يظهر فيها ضابط شرطة يطلق الخرطوش تتطابق مع تقارير الطب الشرعى عن مسافة الإصابة.
لا غرابة والأمر كذلك أن يشيع الانطباع بأن ثمة علاقة بين لحظة الاقتراب من تحديد الضابط الذى قتل شيماء وبين صدور قرار حظر النشر. الأمر الذى يفتح الباب للذهاب إلى أبعد وإساءة الظن بتلك الخطوة التى تحتمل تأويلات عدة. قد يكون فى ذلك نوع من المبالغة، لكننى أسلفت أن المواطن العادى يعذر فى ذلك لسبب جوهرى هو أن الثقة فى موقف الداخلية، وفى مختلف حلقات التحرى والتحقيق والتقاضى تراجعت إلى حد كبير فى الفترة الأخيرة. بحيث إن المواطن المذكور لم يعد يطمئن إلى سلامة ونزاهة الكثير مما يصدر عن تلك الجهات. إذ لم يحدث مرة واحدة أن الداخلية اعترفت بخطأ فى قراراتها أو من جانب أحد رجالها. وفى الحالات النادرة للغاية التى لم يكن هناك مفر من نسبة الخطأ إليها، فإنها لم تعدم الوسائل التى مكنتها من تحصين قراراتها ضد الإدانة أو رجالها ضد العقاب. ولا نستطيع أن نتوجه إليها وحدها باللوم فى ذلك لأن أطرافا عدة فى مؤسسات السلطة وفى أوساط النخبة، فضلا عن وسائل الإعلام أعانتها على ذلك. وكانت النتيجة أن تحولت الداخلية إلى ذات مصونة لا تمس، جعلها تعامل باعتبارها فوق الحساب وفوق القانون.
ضاعف من أزمة الثقة أن الناس لم يعودوا بالساذجة أو الغفلة التى يفترضها القائمون على الأمر. وإذا كانت الثورة قد أطالت من رقابهم وجعلتهم يرفعون عاليا سقف الطموحات والأمنيات، فإنها أيضا أطالت من ألسنتهم وسلحتهم بجرأة وشجاعة مكنتهم من أن يرفعوا أصواتهم أيضا. فحين تقول الداخلية إنه ليس لديها معتقلون سياسيون فإن أصغر طفل بات يدرك أن ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ، وأن مصطلح الحبس الاحتياطى الذى أصبح مفتوح الأجل هو الحيلة اللغوية والقانونية التى تم اللجوء إليها لتبرير الاعتقال السياسى. وحين تقول الداخلية إنها لم تلجأ إلى العنف إلا دفاعا عن نفسها بعدما تعرض رجالها للاعتداء، فإن ذلك يصبح مجالا للتندر تستعيد فيه تغريدات الشباب ما تردده إسرائيل عن اجتياحاتها وغاراتها على الفلسطينيين التى تستدعى فيها دائما ذريعة الدفاع عن النفس. وحين تدعى الداخلية أنها لا تطلق الخرطوش على المتظاهرين، وأنها لا تطلق سوى خراطيم المياه وقنابل الغاز، فإن مسيرة متواضعة مثل تلك التى قتلت فيها شيماء الصباغ تهدم ذلك الادعاء ولا تدع مجالا لتصديقه.
بذات القدر فإن أحدا لم يعد يقبل الزعم بأن كل نقد لممارسات الداخلية هو إهانة للشرطة، لأن الممارسات التى تصدر عن بعض رجالها تمثل الإهانة الحقيقية لها. والمشكلة أن الشرطة بدلا من أن تصحح أخطاءها وتحاسب المخطئ من رجالها لكى تبيض صفحتها وتطهر صفوفها، فإنها تؤثر التصرف بمنطق القبيلة وليس بنهج المؤسسة النظامية. ذلك أنها بالإبقاء على أخطائها وبالتستر على المخطئ من رجالها تدفع المواطن إلى إساءة الظن بكل العاملين فى ذلك القطاع. وفقدان الثقة بهم.
إن السؤال الذى ينبغى أن يطرح فى هذا السياق هو: هل الممارسات التى ندينها وننتقدها تنسب إلى سياسة الداخلية وحدها، أم أنها تعبر أيضا عن سياسة الدولة؟ لست فى موقف يسمح بأن أحدد ما ينبغى أن يحسب على الداخلية وما ينبغى أن تتحمل مسئوليته سياسة الدولة، لكن ما أعرفه أن سلطة القرار فى الدولة تستطيع أن توقف الكثير من التجاوزات والممارسات المسيئة التى تقترفها الداخلية. ليس عندى دفاع عن الداخلية بطبيعة الحال ولكننى فى كل الأحوال لا أستطيع أن أقتنع ببراءة سلطة القرار فى الدولة ومسئوليتها عن استمرار تجاوزاتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما وراء حظر النشر ما وراء حظر النشر



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt