توقيت القاهرة المحلي 16:00:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مؤامرة من نوع آخر

  مصر اليوم -

مؤامرة من نوع آخر

فهمي هويدي

الخبر أن جيران البناية الأثرية لاحظوا أن مجهولين جاءوا ذات يوم وشرعوا فى هدم أجزاء منها ثم قاموا بتغطيتها، وعند منتصف الليل أحضروا معدات ثقيلة استخدموها فى هدم ثلاثة أعمدة خرسانية فى مدخلها، إلا أن الجيران الذين تشككوا فى الأمر سارعوا إلى إبلاغ شرطة حى شرق الإسكندرية، التى قدم رجالها وأوقفوا الهدم.

القصة نشرتها جريدة «الأهرام» فى الأول من شهر نوفمبر الحالى. وتابعت بها ما سبق أن أشارت إليه تحت عنوان «جريمة أثرية بالإسكندرية» وكشف فيه عن أن الفيللا، التى صممها ٤ من المهندسين الفرنسيين، وبناها فى عام ١٩٣٠ الثرى اليهودى شيكوريل، تعد للهدم رغم أنها من المبانى الأثرية بالمدينة. وكانت قوانين التأميم التى صدرت فى ستينيات القرن الماضى قد وضعتها ضمن ممتلكات الدولة فى السبعينيات. واستخدمتها إحدى شركات الملاحة البحرية، إلا أنها قامت ببيعها لمشترٍ جديد حاول هدمها لإقامة برج سكنى مكانها، رغم أنه لم يحصل على رخصة الهدم. ويلفت النظر فى القصة أنها كانت مدرجة ضمن قائمة التراث المعمارى، إلا أنها أخرجت من القائمة فى ظروف غامضة، الأمر الذى فتح الباب لهدمها.

هذه واحدة من مئات القصص الأخرى التى يتداولها النشطاء الذين استنفروا للدفاع عن التراث المعمارى المهدد بالإبادة فى أنحاء مصر. وهم الذين ما برحوا يطلقون نداءات تدعو لإنقاذ ذلك التراث الذى أصبح ضحية الجشع والجهل والفساد.

 وكما صرنا نسمع عن حملة «أنقذوا الإسكندرية»، فإن الغيورين من النشطاء نظموا حملات مماثلة لإنقاذ المبانى الأثرية والتاريخية فى القاهرة والمنصورة ودمياط وبورسعيد وأسيوط.. إلخ. ولئن كانت القاهرة المملوكية والخديوية صاحبة الحظ الأوفر من تلك المبانى التاريخية باعتبار أنها ظلت عاصمة الدولة على مر العصور، فإن أعيان المصريين، الذين انتشروا فى مختلف المحافظات وكانت لهم ملكياتهم أقاموا أبنية ومقرات صارت تحفا معمارية توزعت على تلك المحافظات، واحتلت الإسكندرية وبعض مدن الدلتا موقع الصدارة بينها. وبسبب ذلك الانتشار فإن مصر توفر لها كم هائل من الأبنية الأثرية والتاريخية. ولئن ظلت الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية فى الواجهة السياحية، إلا أن تلك الأبنية التى كانت تخص أعيان البلاد بقيت فى الظل سواء بسبب كثرتها أو بسبب انتشارها فى بقية المحافظات.

فى السنوات الأخيرة طرأ عاملان كان لهما تأثيرهما الفادح على تلك الثروة المعمارية الهائلة، الأول أن الاستثمار العقارى شهد إقبالاً كبيراً بعدما أصبح أهم وأضمن صور الاستثمار فى مصر، أما الثانى فهو ظروف الفوضى التى مرت بها البلاد خصوصا فى العام الأول لثورة ٢٠١١. وهى التى شهدت أكبر انقضاض ونهب للمبانى التاريخية والأراضى الزراعية. وبطبيعة الحال فإن الإهدار الذى تم لتلك الثروة التاريخية ما كان له أن يتم لولا الفساد المنتشر فى المحليات الذى تراوح بين الإهمال وإصدار تراخيص الهدم بعد الاحتيال على القانون.

 فى هذا الصدد ذكر منسق مبادرة (أنقذوا المنصورة) المهندس مهند فودة أن عشرين مبنى من العقارات التراثية هدمت أو أحرقت بعد ثورة ٢٠١١ وإن المدينة تضم ١٢٠ عقارا آخر مهددة بالهدم. وإذا كان ذلك حظ مدينة واحدة بالدلتا، فلك أن تتصور الموقف فى بقية المدن، أو فى القاهرة. وقد قرأت أن المشكاوات الخديوية فى جامع الرفاعى بالقاهرة (عددها ٩٨ مشكاة) اختفت كلها وحل محلها نجف رخيص مما يُباع فى حى العتبة. وقد عرضت واحدة من تلك المشكاوات فى مزاد «كرستيز» بنحو ٣٩ ألف جنيه استرلينى تعادل نصف مليون جنيه مصرى. أى أن ثمن تلك المشكاوات التى سرقت يعادل ٤٩ مليون جنيه.

الكارثة متعددة الأوجه. وفساد المحليات وقصور القوانين، وغيبوبة المسئولين، هذه كلها عوامل لعبت الدور الأكبر فى استفحالها. وما يثير الانتباه فى هذا الصدد أن حملة إنقاذ الثروة التاريخية ينادى لها المجتمع من خلال النشطاء الغيورين فى حين أن الدولة غائبة تماما عن المشهد وتاركة الساحة للمافيات التى باتت تشن حرب إبادة منظمة على تلك الثروة.

إننى أفهم جشع الذين يتطلعون إلى التربح من وراء هدم المبانى التاريخية، لكننى لا أفهم أن تشجعهم أجهزة الدولة على ذلك بالتصريح تارة أو بغض البصر تارة أخرى. وإذ احترمت قرار محافظ الإسكندرية بالاستقالة من منصبه لأنه لم يستطع أن ينقذ المدينة من الغرق جراء الأمطار، فإننى لا أخفى دهشة إزاء وقوف مسئولى الآثار والثقافة متفرجين رغم عجزهم عن وقف حملة إبادة شواهد التاريخ فى أنحاء مصر.

 ثم إننى لا أستطيع أن أحسن الظن بالقانونيين، الذين يسارعون إلى تقديم البلاغات ضد كل من ينتقد السلطة ورموزها إلى حد اتهامهم بالخيانة العظمى. فى حين لا يحركون ساكنا أمام تلك «المؤامرة» المفضوحة على ذاكرة الوطن وثروته المعمارية. أما الذين يهتفون لمصر ويتغنون بحبها فيبدو أن مصر التاريخ سقطت من حسبانهم، أو إن مصر بالنسبة إليهم باتت تعنى شيئا آخر لا نعرفه. إن هؤلاء جميعا ضالعون فى المؤامرة على التاريخ التى تنسج ضد مصر فى الظلام.

نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مؤامرة من نوع آخر مؤامرة من نوع آخر



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt