توقيت القاهرة المحلي 10:55:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هارفارد

  مصر اليوم -

هارفارد

أسامة غريب

كنت فى زيارة لمدينة بوسطن الأمريكية، وبينما أعبر الشارع فى طريقى لحضور اللقاء الذى قدمت من أجله أبصرت مجموعات من الشباب يجلسون متناثرين حول حديقة مررت بها، وعندما مضيت فى السير ازداد عدد الشباب الذين كان واضحاً أنهم من الطلبة الجامعيين وكان بعضهم يفترش الأرض والبعض الآخر يجلس على دكة خشبية وجانب يسير متمهلاً، ومنهم من يفتح جهاز اللاب توب مستغرقاً فى استعماله. علمت بعد ذلك أننى دون أن أدرى كنت أخترق حرم جامعة هارفارد التى تعتبر الجامعة رقم واحد فى العالم من حيث المستوى العلمى وقيمة الأبحاث التى تخرج منها.. هارفارد العريقة التى قدمت للعالم عدداً كبيراً من الحاصلين على جائزة نوبل فى فروع الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات.. هارفارد الراقية التى تعد من أصعب جامعات العالم من حيث شروط القبول والتى تعتبر حلم الملايين من الشباب الراغب فى أن يتعلم بشكل حقيقى.. هذه إذن هى هارفارد التى تخرّج فيها سبعة رؤساء أمريكيين، كما تخرج فيها بيل جيتس، وكذلك مارك زوكربيرج، مؤسس موقع فيسبوك.

فى طريق العودة كنت أنظر لمبانى الجامعة إلى يمينى ويسارى بقدر من الرهبة يليق بجلال المكان، وأدركت أن المنطقة بأكملها هى منطقة علمية تحفل بالكليات والمعاهد، ومن بينها معهد ماساتشوسيتس للتقنية الذى طبقت شهرته الآفاق، والعجيب أن مبناه كان متواضعاً لا تكاد تصدق من فرط بساطته أنه المكان الذى خرجت منه معظم المخترعات الحديثة التى دفعت البشرية خطوات على طريق التقدم.

لا أدرى لماذا كان مرورى بهذا المكان دافعاً لامتلائى بشعور من النشوة والسعادة مثلما كان الأمر عندما كنت أسكن فى مدينة مونتريال بجوار جامعتى ماكجيل وكونكورديا.. وقتها كنت لا أفهم كيف تكون الجامعة بلا أسوار، وكيف تكون مبانيها متخللة شوارع المدينة، حتى إن المرء يعبرها وهو لا يدرى أنه فى حرم جامعة مهمة.. اعتدت فى ذلك الوقت أن أحمل جهاز الكمبيوتر الشخصى وأذهب للجلوس فى واحدة من المقاهى المحيطة بالكليات وأقوم بالعمل والكتابة فى جو ساحر تغلفه ثرثرات الطلبة ونقاشاتهم العلمية والأدبية والسياسية.. ولا أخفى أننى كنت أغبط هؤلاء الشباب وأتمنى لو أننى حظيت بفرصة لعيش حياة جامعية جادة ومرحة ومنطلقة مثلما يعيشون، وكانت تلك المشاعر تنتابنى مغلفة بالحسرة على حالنا فى عالمنا العربى البائس الذى لا تقدم فيه الدراسة الجامعية للطلبة شيئاً مما يفترض أن تقدمه، فجامعاتنا هى قلاع أسمنتية محاطة بتحصينات وأسوار يدير العمل فيها نفس الاستبداد الذى يدير كل المؤسسات، وهى تعتبر للأسف من محاضن الفكر المتخلف والمتطرف، ومن أدوات القمع الفكرى وكبح الخيال.

أثار المرور بجوار جامعة هارفارد فى نفسى كل هذه الشجون، وحزنت على آلاف الطلاب النوابغ فى بلادنا الذين تُغتال مواهبهم بفعل النظم التى تهدف للسيطرة على الخيال وعدم السماح له بتجاوز تقديس أشخاص ومؤسسات لا قيمة لها.. ولهذا فليس غريباً أن التصنيفات المحايدة لا تضع أى جامعة عربية ضمن أفضل جامعات العالم، وكيف تكون بينما جانب من الطلبة والأساتذة بدلاً من الانشغال بكتابة الأبحاث يكتبون تقارير أمنية، بينما الجانب الآخر من الطلبة والأساتذة يتبدد وقته وجهده فى الحفاظ على قيثارته بدلاً من أن يعزف ألحانه!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هارفارد هارفارد



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt