توقيت القاهرة المحلي 11:10:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زحمة يا دنيا

  مصر اليوم -

زحمة يا دنيا

أسامة غريب

الزحام عدو السعادة، والمدن المزدحمة لا تمنح الإنسان سوى القلق والغثيان.. وقد فهم الحكماء أن هناك حيزاً يحتاجه الإنسان ومساحة من البراح لا غنى عنها ليستطيع الفرد فيها أن يمارس إنسانيته دون تطفل، وهو يعيش حياته، وافتقاد هذه المساحة، التى تتيح الخصوصية أحد الأسباب الأساسية لتعاسة البشر، وربما كانت الحياة فى الريف، حيث الحقول والخضرة الممتدة جالبة للسكينة كذلك الاستقرار بالأماكن الساحلية المطلة على البحر يمنح الخيال فرصة للانطلاق، لكن مع ذلك لا الريف ولا البحر فى بلادنا كافيان ليمنحا شخصاً الحق فى أن يجلس وحيداً إذا شاء دون أن ينقض عليه قريب أو زميل من أجل الدردشة دون مناسبة عن أدق تفاصيل حياته، التى اطلع عليها من جيرانه وزملائه فى العمل! وفى الحقيقة ليس أصعب على الإنسان من مواجهة أنفاس الآخرين طوال يومه فى الشوارع المزدحمة، وما أتعس من يعجز عن الحديث إلى صديق أو زميل دون أن يضطر إلى الهمس، وفى هذا الشأن يمكن النظر إلى أولئك الذين يعيشون بالأماكن العشوائية ذات المساكن المتلاصقة، التى تفصل بينها وبين بعضها سنتيمترات على أنها الجحيم بعينه، خاصة أنه فى بعض الأحيان تكون ستارة من قماش هى ما يصنع الحدود بين مساحة الواحد منهم ومساحة جاره!. ومن الطبيعى أن حقاً أساسياً تنص عليه الدساتير جميعاً يكون معطلاً فى ظروف كهذه، وهو الحق فى الخصوصية.. وأى خصوصية يمكن أن تتوفر عندما يخدم حمام واحد عشرات العائلات!. وليس الحيز المطلوب للسلامة النفسية هو الحيز المادى فقط، لكن يحتاج الإنسان أيضاً حتى فى الأماكن المتسعة إلى قدر معقول من الخصوصية. صحيح أن الإنسان حيوان اجتماعى لا يستطيع أن يسعد دون وجود الناس فى حياته، لكن هذا الوجود لا ينبغى أن يصل لدرجة الاقتحام حتى لو كانوا يعيشون فى قصور. غير أن المبالغة فى احترام الخصوصية فى المجتمعات التى قطعت أشواطاً بعيدة على صعيد حقوق الإنسان قد جعلت الناس فى أحيان كثيرة يدفعون ثمن هذه الحقوق من الشعور بالوحدة والانزواء، وهو ما قد يدفع أحياناً إلى الانتحار.. وقد شهدت بنفسى فى بعض عواصم الغرب مقاهى ومنتديات مفتوحة لتشجيع الناس على التعارف، مجتمعات ابتعد فيها الناس عن بعض، سعياً للحفاظ على المسافة الإنسانية المفترضة واللازمة، وربما أن هذا الصقيع النفسى هو ما يؤدى إلى أن بعضهم عندما يزور بلادنا التعيسة ينبهر ويحسد الناس على الحميمية. ومع ذلك تظل المساحة والحيز المناسبان شرطاً ضرورياً للسعادة.. والله أعلم. نقلاً عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زحمة يا دنيا زحمة يا دنيا



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt