بقلم:أسامة غريب
تاكر كارلسون، إعلامى أمريكى، كان من أشد مناصرى ترامب حماساً لترشحه للرئاسة ضد جو بايدن، لكنه بعد عام واحد أفاق من غفوته وتخلص من تأثير ترامب عليه وأصبح من كبار منتقديه، بل واعترف بأن ضميره يعذبه لأنه جذب أناسًا كثيرين لانتخاب هذا الرجل الذى يقود أمريكا نحو الهاوية. قال كارلسون فى تبرير انقياده فى السابق وإعجابه بالرئيس الأمريكى المختل: إن هذا الرجل يملك قوة ويملك نوعًا من السحر يجذب إليه الناس فيظنون أنه قادر على اجتراح المعجزات.. نعم لديه هذه الملكة وبدونها لم يكن يستطيع السيطرة على كل هذه الجماهير التى انتخبته رغم أنه لا يملك أى شىء يقدمه لهم سوى وعود جوفاء.
فى الحقيقة أن كلام كارلسون لا معنى له، فدونالد ترامب لا يملك سحرًا ولا يحزنون، والأمر برمته يجد تفسيرًا عند الدكتور جلال أمين عندما كتب يقول فى وصف طبائع بعض الشعوب: استعداد مدهش للصبر وتحمل المكاره، وعزوف عن مواجهة الأمر المعوج ووقفه عند حده، وتسامح أكبر من اللازم مع المخطئ، واستعداد للمجاملة حتى عندما تكون المجاملة مكروهة أو بالغة الضرر، ويزيد هذا الاستعداد المدهش للتسامح والصبر والمجاملة عندما يكون الشخص المطلوب مجاملته أو الصبر عليه منتميًا إلى شريحة من الشرائح الاجتماعية العليا وعضوًا من أعضاء الطبقة الممتازة.
كنت أظن أن هذا الوصف ينطبق على الشعب المصرى وحده إلى أن رأيت الأمريكان وقد انطبق عليهم كلام جلال أمين تمامًا فى مواجهة شخص تافه كريه مثل ترامب، وأظن أن الإعلامى تاكر كارلسون قد فسر الأمر بالسحر والجاذبية بدلًا من إدانة نفسه وإدانة الأنصار والاعتراف بأنهم يغفرون للأغنياء النافذين ما لا يغفرونه لغيرهم، كما يمنحونهم أرصدة لا غطاء لها لمجرد أنهم مشاهير ذوو أموال طائلة ومتواجدون اجتماعيًا فى كل الدوائر المنتديات التى يغشاها إعلامى شهير مثل كارلسون.
وعلى سبيل المثال لو أن رجلًا جلس إلى جوارك فى حديقة عامة أو مقهى وصار يثرثر ويثرثر ثم اقترب منك أكثر وأصبح لعابه يتناثر فى وجهك بينما هو متحمس وينتقل من موضوع تافه إلى موضوع أكثر تفاهة، ثم وجدت نفسك تشعر بالضيق والاختناق من حديثه الفارغ ورائحته الكريهة.. هل تتأثر به وتنجذب إليه وتصفه بالساحر المؤثر وتصبح من أتباعه فتقتفى أثره وتمضى خلفه مؤيدًا لرؤاه ومبشرًا بها، أم أنك ستقوم مبتعداً وتفر من المكان تاركًا هذا الرجل يلتهم أذن شخص آخر لأن الحياة لا تحتمل كل هذا القرف والجنون؟ الأغلب أنك ستلجأ للحل الثانى. دونالد ترامب هو نفس هذا الرجل المزعج الذى نكد عليك جلستك الهادئة وجعلك تترك له المكان، لكن الفرق يكمن فى أنه ذو نفوذ ومال وله منصات إعلامية تسبح بحمده وتروج لترهاته. هنا قد تجد نفسك تجلس مستمعًا للكلام الفارغ ولديك استعداد أن تصدق أن وراء هذا الهراء الذى يتفوه به حكمة واستراتيجية بعيدة المدى وأن ضيقك به يعود إلى جهلك وليس إلى جهله هو!.