توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الوكسة ومستويات اللغة

  مصر اليوم -

الوكسة ومستويات اللغة

بقلم:أسامة غريب

فى أحد المطارات جلست فى صالة الترانزيت بجوار أخ عربى من الخليج. بادرنى بالحديث ثم استمر الحوار بيننا، وعند النداء على رحلته سألنى قبل أن يصافحنى مودعًا: من أى بلد أنت؟ أبديت دهشتى من إخفاقه فى التعرف على جنسيتى.

قال لا يبدو من كلامك أنك شامى أو مصرى أو خليجى أو مغربى وهذا ما يحيرنى.عندما أخبرته أننى مصرى أبدى استغرابه قائلاً: المصريون لا يتحدثون هكذا!

بعد أن تركنى سرحت فى هذا الأمر وشعرت بالحيرة.. اللهجة المصرية يسهل التعرف عليها من أول جملة، ولقد كان الرجل يفهمنى تماماً ولم ينشأ بيننا أى حاجز لغوى، فكيف يفهمنى ويحاورنى ويمازحنى ثم بعد ذلك يحتار فى شأن موطنى؟ ثم ما معنى أن المصريين الذين يملأون بلده لا يتحدثون هكذا؟. فى المساء جلست أطالع التليفزيون وفتحت قناة مصرية، مضيت أتفرج عليها وبعدها كدت أصيح مثل أرشميدس: وجدتها. أظننى عندئذ خمنت سبب حيرة الرجل. لقد احتار، لكنه لم يفهم أن سبب حيرته هو مستويات اللغة.

إننا إذا استبعدنا الفصحى التراثية الموجودة فى القرآن وفى أشعار الأقدمين وفى المسلسلات التاريخية، وكذلك إذا استبعدنا فصحى العصر التى تستخدمها الصحف ويسمعها الناس فى نشرات الأخبار، تتبقى بعد ذلك مستويات ثلاثة للعامية خاصة بكل بلد، وإذا تحدثنا عن المصريين فقليل منهم يتحدث بعامية المثقفين بعدما تدهورت الثقافة وفرضت السوقية نفسها، وبعض المصريين يتحدث بعامية المتنورين، ثم السواد الأعظم الذين يتحدثون بعامية الدهماء. كان المفروض أن تسود فصحى العصر إلى جانب عامية المثقفين كل البرامج، وهذه العامية تحوى الكثير من التعبيرات الفصيحة والتشبيهات الأدبية والإيجاز والولوج للمعنى مباشرة، لولا أنه فى هذا الزمن طغى على الساحة الإعلامية الذئب والنسناس والنطيحة ومن لدغها الحنش!. لم يعودوا يعبّرون فيما ينطقون عن فكر أو ثقافة أو عقل ناقد أو دماغ قرأ صاحبها وفهم وهضم قبل أن يخرج على الشاشة، وإنما أصبحت التليفزيونات مصاطب للأرزقية المرضى عنهم بصرف النظر عن حالتهم.. بل إن الوكسة والتدهور الذهنى قد تكونان من مسوغات التعيين فى الوظيفة والبقاء فيها، وهى وظيفة على أى حال لم تعد تقتضى سوى الصراخ والتشنج والتفوه بكل سخيف وركيك وتافه وعدوانى ودال على سوء الخلق وضعف الثقافة.

وهم فيما يقدمون ويعرضون بضاعتهم الرديئة يستخدمون مستويين من اللغة، فبعضهم ممن يُعتبرون (فطاحل) أو عور وسط العميان يتنقل بين عامية المتنورين وعامية الدهماء، والبعض الآخر يعجز عن الخروج من لغة السوقة نتيجة الفقر الشديد فى التعليم وتضاؤل القدرات المعرفية. وبطبيعة الحال فإن الجمهور أو معظمه، وحظه من التعليم لا يختلف عن حظ إعلامييه يتحدث أفراده بنفس الطريقة ويلوكون نفس المفردات ويدورون حول نفس الأفكار.. لهذا فقد شاعت عامية الدهماء بين الناس حتى لو كانوا متخرجين فى الجامعة، وأصبح من يتحدثون بعامية المتنورين المعبّرة عن حملة الشهادة الإعدادية قلة!.. وربما أن هذا يفسر دهشة الرجل العربى الذى فهمنى ومع ذلك لم يخطر بباله أن أكون مصريًا!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوكسة ومستويات اللغة الوكسة ومستويات اللغة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt