توقيت القاهرة المحلي 15:58:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفقر اللذيذ

  مصر اليوم -

الفقر اللذيذ

بقلم:أسامة غريب

طالعت مشهداً ذاع على النت لامرأة رقيقة الحال يسألها مذيع مجهول أن تمد يدها وتأخذ المال الذى يقدمه لها. كانت المرأة متفاجئة بشكل تلقائى ممن يقدم لها بعض المال بدون مناسبة وهى التى لا تعرف سبيلاً للحصول على القليل منه إلا بالتعب والشقاء، لذلك كان سؤالها طبيعياً: هل يكون هذا المال حلالاً إذا أخذته بدون تعب؟. بعد ذلك انهالت التعليقات المتعاطفة مع المرأة الفقيرة التى تتحرى الحلال حتى وهى محتاجة، وأفاض المعلقون فى الحديث عن العفة وعزة النفس التى يتمتع بها الفقراء رغم حاجتهم، فى مقابل الطمع الذى يسم الكثير من الأغنياء الذين ليست لهم هذه النظرة الفطرية إلى المال وكيف لا يكون حلالاً إذا ما افتقد للجهد والعرق. أعتقد أن الشاعر فؤاد حداد قد أجاب عن سؤال المرأة الفقيرة فى إحدى قصائده عندما قال: على عكازين على عكازين/ الدنيا ماشية على عكازين. فيه ناس بتيجى ومالهاش نيّة/ وناس بتقتل بإنسانية. وناس فقيرة وناس غنية/ وناس بتكسب من غير إيدين.

لكن بعيداً عن تفسير فؤاد حداد أتصور أنه من العيب تسويق الفقر على أنه منجز حضارى نفخر به ونزهو بأصحابه ونقدمهم للناس فى صورة طيبة حتى يشعروا أن بؤس حالهم جدير بالافتخار أو على الأقل بالرضا ما دام الآخرون يرون فيه مزايا تستحق التسويق!. ليس صحيحاً أن الفقر هو مستودع القيم فى المجتمع وليس صحيحاً أن الفقراء هم حاملو رايات الفضيلة والشرف وعزة النفس. العكس هو الصحيح، فالفقر هو عار مجتمعى لا تحله الصدقات والنفحات والهبات المقدمة لـ عينة من الفقراء أمام الكاميرات بهدف تثبيت الفقر كنعمة يتعين العض عليها بالنواجذ ما دامت مصحوبة بالأخلاق. لقد أعاد هذا المشهد صورة عشرات الأفلام المصرية القديمة لأنور وجدى وليلى مراد ويوسف وهبى وفاتن حمامة عندما كانوا يقدمون الغنى المستهتر فى مقابل الشاب الفقير الشريف، والغنية الفاجرة فى مقابل الفتاة الفقيرة العفيفة، وخصوصاً لو كان اسمها نعمت!. كنا نظن أن هذا المستوى من الدراما قد عفا عليه الزمن بعد أن انتشر التعليم وزالت الغشاوة من العيون وظهرت سينما من نوع آخر تقدم الفقر فى صورته الحقيقية اللعينة وتظهر خطره على المجتمع، فما الذى يدفع الآن إلى معاودة إنتاج كليبات من هذا النوع؟!. لقد قيل إن شركات ومؤسسات وأفراداً كثيرين أرادوا التبرع للسيدة التى ظهرت فى الفيديو، ومن المؤكد أن لقاءها بالمذيع فى هذه الفقرة كان فاتحة خير عليها، ولكن مَن لملايين النساء والرجال مثلها فى المجتمع؟، هل نقدم برنامجاً لكل مواطن يفاجئه فى الشارع ويقدم له نفحة مالية تحل له مشاكله؟. إن هذه الطريقة فى إسعاد مواطن واحد عن طريق المصادفة تكرس للناس أن الفقر قدَرٌ لا فكاك منه إلا بالمصادفة، فيعيشون على أمل أن يبرز لهم المذيع فى الشارع ويفتح أمامهم أبواب البنكنوت بعد أن يؤكد لهم أنه مال حلال.. وهنا يبكى المواطن ويبكى المشاهد والمذيع والمخرج والمصور حتى تَبْتَلَّ لحاهم!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفقر اللذيذ الفقر اللذيذ



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt