توقيت القاهرة المحلي 09:48:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حتى الجفا محروم منه!

  مصر اليوم -

حتى الجفا محروم منه

بقلم:أسامة غريب

في أغنية «سهران لوحدى» لأم كلثوم، يحكى أحمد رامى عن عاشق ولهان يسهر يجْتَرّ أفكاره طوال الليل والحيرة تعصف به. يبدأ بوصف حاله في سكون الليل وسط الصمت والخواء: «سهران لوحدى أناجى طيفك السارى.. سارح في وجدى ودمعى ع الخدود جارى. نام الوجود من حواليا وأنا سهرت ف دنيايا.. أشوف خيالك في عينيا وأسمع كلامك ويّايا». البداية طبيعية، هادئة ومتوقعة، لكن الشاعر يتوغل بعد ذلك في الكثير من المعانى الملتبسة، إذ يقول: «ما بين نعيمى وأنس الروح ساعة رضاك.. وبين عذابى وطول النوح أيام جفاك.

كل اللى شفته خطر ع البال وعشت فيه هايم ولهان.. ولما بُعدك عنى طال حنّيت لأيام الهجران». لا أنكر أننى تحيرت من الشطر الأخير، إذ ما معنى «ولما بُعدك عنى طال حنّيت لأيام الهجران».. أليس البُعد الذي طال هو نفسه أيام الهجران، فكيف يحن الحبيب إلى ما يعيشه بالفعل؟.. ومع ذلك فقد افترضتُ أن رامى يقصد التفريق بين البعاد الذي قد يكون لأسباب خارجة عن إرادة الحبيب وبين الهجران العمدى المقصود، وأحسست أن الشاعر بفعل الضيق الذي يشعر به أصبح يحن لأيام الهجر، الذي كثيرًا ما يكون مرادفًا للدلال والتمنع بغرض إثارة مشاعر الحب والغيرة. عجيب رامى في تشبيهاته وتهويماته ومضيه مع غواية الشعر منطلقًا بغير حدود.

في نفس الأغنية يكمل شاعر الشباب: ياللى رضاك أوهام والسهد فيك أحلام.. حتى الجفا محروم منه يا ريتها دامت أيام!. يثير هذا التعبير الأخير علامات استفهام عديدة، أليس الطبيعى أن يشكو العاشق من الجفا، فكيف بالعم رامى يشكو من افتقاده للجفا وكيف به يقول يا ريتها دامت أيام؟!. لا بد أن ثمة معنى خفيًّا خلف هذا الكلام الطلسمى!. في ظنى أن الشاعر يعيش أيامًا جدباء جافة خالية من الشعور، لهذا فإنه يحن لأيام الجفاء الذي ينتاب المحبين بين الفينة والفينة أثناء استغراقهم في قصص الغرام، وهو يختلف عن القطيعة، وقد يكون هو تكلُف التجهم أثناء اللقاء مع إبداء شىء من اللوم، ولعل ذلك ما شرحه باقتدار شاعر آخر هو بيرم التونسى في أغنية أخرى للسنباطى أيضًا قال فيها: أورّيه الملام بالعين وقلبى ع الرضا ناوى!... ومما يؤكد هذا المعنى قول رامى بعد ذلك في وصف أيام الجفا التي يحن إليها: كان عهد جميل، حاسد وعذول والبال مشغول!. آه هنا يبدو المعنى واضحًا، إن الشاعر يفضل العلاقة الصاخبة الممتلئة بالحياة والأكشن، فيصف هذه الأيام بالعهد الجميل الذي لم يخلُ من العواذل والحُسّاد ومُدبرى المكائد، وذلك عنده أفضل من تعطل العواطف وموات الروح. ثم يرثى رامى حاله وينعى أيامه قائلًا: راحت عواذلى وحُسّادى وطفيت النار.. ياللى صبرت على بعادى وأنا عقلى احتار. لا يوم وصالك هنّانى/ ولا هجر منك بكّانى/ يا طول عذابى وحرمانى.

لا أحد مثل رامى في استدرار المعانى وتحميلها شحنات عاطفية غير مسبوقة.. وكله كوم، و«حتى الجفا محروم منه» كوم آخر!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حتى الجفا محروم منه حتى الجفا محروم منه



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt